بلوغ الغلامين أو لأنّ الأوّل في نفسه شر والثالث خير ، والثاني ممتزج أو لاختلاف حال العارف في الالتفات إلى الوسايط
وَما فَعَلْتُهُ
وما فعلت ما رأيته
عَنْ أَمْرِي
عن رأيي وإنما فعلته بأمر اللّه عز وجل ، ومبني ذلك على أنه إذا تعارض ضرران يجب تحمل أهونهما لدفع أعظمهما وهو أصل ممهد غير أنّ الشرائع في تفاصيله مختلفة
ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً
أي ما لم تستطع فحذف التاء تخفيفا ومن فوائد هذه القصة أن لا يعجب المرء
شرح
ضمير يصلون للّه والملائكة أم لا فأجازه قوم ومنعه آخرون لعلة التشريك المذكورة والظاهر على أنّ الكراهة تنزيهية أنها غير مطردة فقد تكره في مقام دون مقام فلما كان ذلك مقام خطابة وأطناب وهو بحضرة قوم مشركين والإسلام غض طريّ كره فيه ، وأما مثل هذا المقام الذي القائل فيه والمخاطب من عرفت وقصد فيه نكتة وهو عدم استقلاله فلا كراهة فيه خصوصا ، وقد قال بعض من ذهب إلى الكراهة : « إنه مخصوص بغير النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا جاز للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فهو في كلام اللّه وما حكاه بالطريق الأولى فالحق أنه لا كراهة فيه في كلام اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم كما أشير إليه في شروح البخاري وأما في حق البشر فقيل لا كراهة فيه أصلا وقيل : فيه كراهة تنزيه مطلقا أو في بعض المواضع وبهذا عرفت ما في كلامهم هنا وإنما أطلت الكلام في هذه المسألة لأني لم أر من حققها ولعلنا نحتاج إليها في محل آخر . قوله : ( الأوّل في نفسه شر ) فلا يليق إسناده إلى اللّه وإن كان هو الفاعل ، والثالث خير فأفرد إسناده إلى اللّه ، والثاني ممتزج خيره وهو تبديله بخير منه وشره وهو القتل فأسنده إلى اللّه وإلى نفسه نظرا لهما ، وقوله : أو لاختلاف حال العارف أي باللّه فإنه في ابتداء أمره يرى نفسه مؤثرة فلذا أسند الإرادة أولا إلى نفسه ثم تنبه إلى أنه لا يستقل بالفعل بدون اللّه فلذا أسنده لهما ثم يرى أنه لا دخل له وأنّ المؤثر والمريد إنما هو اللّه فلذا أسنده إليه فقط وهو مقام الفناء ومقام كأن اللّه ولا شيء معه وهو الآن كما كان .
قوله : ( عن رأيي ) يعني أنّ الأمر هنا واحد الأمور والمراد به الرأي لا أنه بمعنى الرأي وظاهر كلام الراغب أنّ الأمر يطلق على الرأي وما يخطر بالبال كان نفسه تأمره به ولذا تسمى أمارة كما في قوله : سوّلت لكم أنفسكم أمرا وهو أنسب بمقابلته بأمر اللّه . قوله : ( ومبني ذلك ) أي ما فعله الخضر على ما عرفت من تفصيله ، وقوله : الشرائع في تفاصيله مختلفة إشارة إلى أنّ بعضا من جزئيات هذه قد يجوز في شريعة دون أخرى ، كقتل الغلام فإنه في شريعة الخضر عليه الصلاة والسّلام لما مرّ دون شريعتنا وشريعة موسى عليه الصلاة والسّلام لأنه من علم الباطن المأمور به هو دون غيره ونظيره أنه يجوز قطع عضو متآكل إذا تحقق سريانه إلى النفس وهذه قاعدة قرّرها الفقهاء وعليها مبني قصة الحديبية . قوله : ( فحذف التاء تخفيفا ) أصله تستطع فحذفت تاء الاستفعال ، وقيل : المحذوف الطاء الأصلية ثم أبدلت التاء طاء لوقوعها بعد السين وهو تكلف وقيل السين عوض قلب الواو ألفا والأصل أطاع وإنما خص هذا بالتخفيف لأنه لما تكرّر في القصة ناسب تخفيف الأخير منه وأما كونه للإشارة إلى أنه خف على موسى صلّى اللّه عليه وسلّم ما لقيه ببيان سببه فيبعده أنه في الحكاية لا المحكي . قوله : ( ومن فوائد هذه القصة الخ ) عدم