وقيل إنه من معاريض الكلام والمراد شيء آخر نسبه
وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً
ولا تغشني عسرا من أمري بالمضايقة والمؤاخذة على المنسيّ فإنّ ذلك يعسر عليّ متابعتك وعسرا مفعول ثان لترهق فإنه يقال رهقه إذا غشيه وأرهقه إياه وقرئ عسرا بضمتين
فَانْطَلَقا
أي بعد ما خرجا من السفينة
حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ
قيل : فتل عنقه وقيل ضرب برأسه الحائط وقيل أضجعه فذبحه والفاء للدّلالة على أنه كما لقيه قتله من غير تروّ واستكشاف حال ولذلك
قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ
أي طاهرة من الذنوب وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو
شرح
فهو لذكره صريحا في الثاني ولتعبيره عن الوصية بالمنسيّ في الأوّل وإن رجع للثاني كما هو المتبادر من فصله عنه فلأنّ النسيان لا يؤاخذ به لأنه ليس بمقدور له بالذات وإن كان يؤاخذ بالمنسي لا من حيث إنه منسيّ فيكون المراد به أنا غير مؤاخذ ، ولكنه أبرزه في صورة النهي والمراد التماس عدم المؤاخذة لقيام المانع فتدبر ، أو المراد الترك لأنه يكون مجازا عنه كما في الأساس ومرضه وما بعده لمخالفته للمشهور ولما في صحيح البخاريّ عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ المرّة الأولى كانت نسيانا « 1 » كما مرّ ، وقوله : أوّل مرّة قيد لما مرّ ، ولأنه الذي يصح النهي عنه وبهذا علمت ما في قوله أوّلا وخلفه ناسيا لا يقدح في عصمته فتدبر . قوله : ( وقيل إنه من معاريض الكلام والمراد شيء آخر نسيه ) المعاريض جمع معراض وهو الناحية والتعريض والمراد به هنا التورية وإيهام خلاف المراد لأنه أبرزه في صورة النهي وليس بمراد ، قال في الكشف : فعلى الأوّل كان موسى عليه الصلاة والسّلام قد نسي وصيته حقيقة وعلى هذا نهاه عن مؤاخذته بالنسيان موهما أنّ ما صدر منه عن نسيان ولم يكن وإنما صار إليه لأنّ المؤاخذة به لا تصدر عن الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، فلا يحتاج إلى النهي وعلى الأوّل وجهه أنه نهى عن مؤاخذته بقلة التحفظ حتى ينسى قيل : والتعريض وإن حصل بقوله : نسيت إلا أنه أبرزه في صورة النهي تفاديا عن الكذب فالمراد بما نسيه شيء آخر غير الوصية لكنه أوهم أنها المنسية . قوله : ( ولا تغشني ) بالغين المعجمة من غشيه كذا إذا عرض له وهو تفسير للإرهاق ، وقوله : بعدما خرجا بيان للمعنى المراد أو إشارة إلى أنّ الفاء فيه فصيحة . قوله : ( فتل عنقه ) من القتل بالفاء والتاء الفوقية وهو الليّ والإدارة ورد ذلك كله في الآثار وقد جمع بينها بأنه ضرب رأسه بالحائط ، ثم أضجعه وذبحه ثم فتل عنقه وقلعه ، وقوله : ضرب برأسه الحائط إمّا من القلب أو تجوز أي رمى برأسه إلى جانب الحائط . قوله : ( والفاء للدلالة على أنه كما لقيه قتله ) الكاف كاف القران وتسمى كاف المفاجأة أيضا وقد مرّ تحقيقها يعني أنّ قتله وقع عقب لقائه فلذا قرن بالفاء التعقيبية بخلاف خرق السفينة فإنه لم يتعقب الركوب كما في الكشاف ، وهذه نكتة لتغيير النظم أيضا كما سيأتي لكنه أورد عليه أنّ الجزاء يتعقب الشرط أيضا كما يتعقب ما بعد الفاء فكيف يصح وقوع خرقها جزاء حينئذ ، وليس هذا بوارد وإن ظنّ بعضهم أنه وارد غير مندفع لأنّ دلالة الفاء على صريح التعقيب وضعا مما لا شبهة فيه ووقوعه عقب الملاقاة كما يدل عليه النظم وبينه
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه قبل حديث واحد .