السَّفِينَةِ خَرَقَها
أخذ الخضر فأسا فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها
قالَ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها
فإن خرقها سبب لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها ، وقرئ لتغرّق بالتشديد للتكثير وقرأ حمزة والكسائي ليغرق أهلها على إسناده إلى الأهل
لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً
أتيت أمرا عظيما من أمر الأمر إذا عظم
قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
تذكير لما ذكره قبل
قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ
بالذي نسيته أو بشيء نسيته يعني وصيته بأن لا يعترض عليه أو بنسياني إياها وهو اعتذار بالنسيان أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها ، وقيل أراد بالنسيان الترك أي لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أوّل مرّة ،
شرح
والثالثة عمدا « 1 » وفي رواية والثانية عمدا والثالثة فراقا ولك أن تقول إنه لما وقع الخلف بالأولى لم تكن الأخيرتان خلفا ليبين بعض ما وعده به لكن الأولى معفوّة لكونها لم تقع عن عمد فتأمّل .
قوله : ( فلا تفاتحني ) أي تبتدئني به وهو بيان للمعنى المراد منه ، كما يدل عليه ما بعده لا تقييد للنهي ، وقوله : حتى أبتدئك ببيانه بيان للمراد أيضا لأنه معنى أحدث والغاية مضروبة لما يفهم من الكلام كأنه قيل : لا تنكر عليّ ما أفعل حتى أبينه لك أو هي للتأبيد فإنه لا ينبغي السؤال بعد البيان بالطريق الأولى وقد ذكر مثله الكرماني رحمه اللّه في حديث : إنّ اللّه لا يملّ حتى تملوا أي لا يتصوّر منه الملال أبدا وليست للتعليل ، وقيل : فائدة الغاية إعلامه أنه سيبينه له بعد ذلك وفيه نظر . قوله : ( أخذ الخضر فأسا الخ ) كذا في صحيح البخاري « 2 » إلا أنّ فيه فنزع لوحا وفيه أنه وتده أي جعل فيه وتدا مكانه ، وقوله : فإنّ خرقها سبب لدخول الماء فيها يشير إلى أنّ إسناد التفريق إليه مجازيّ ودلّ على أنه حمل اللام فيه على لام العاقبة دون التعليل لحسن ظنه به ولو حملت على التعليل كان أنسب بمقام الإنكار وليس فيه سوء أدب كما توهم ، وقوله : للتكثير كما في بعض النسخ المراد به تكثير المفعول . قوله : ( أتيت أمرا عظيما ) مأخوذ من أمر بمعنى عظم ، وقيل : أصل معناه كثر فأريد به عظم واشتدّ ، قال ابن جني في سرّ الصناعة : العرب تصف الدواهي بالكثرة والعموم وقال الكسائيّ : معنى أمرا داهيا منكر من أمر بمعنى كثر قيل ولم يقل أمرا أمرا مع ما فيه من التجنيس لأنه تكلف لا يلتفت إلى مثله في الكلام البليغ وأمر بوزن علم ، وذكره بالتخفيف . قوله : ( بالذي نسيته أو بشيء نسيته ) يعني ما يجوز فيها أن تكون موصولة وموصوفة أو مصدرية ، وقوله : يعني وصيته تفسير لما على الوجهين والباء صلة لأنه يتعدّى بها لا للسببية وهو إمّا سبب للنهي عن المؤاخذة أولها بتقدير مضاف أي ترك ما نسيته من عدم العمل بالوصية أو هو على ظاهره لأنه لولا النسيان لم يكن الترك فهو سبب بعيد ، وقوله : بأن لا يعترض تفسير لعدم المؤاخذة ، وقوله : أو بنسياني إياها فما مصدرية وفصله لأنّ المؤاخذ به المنسي لا النسيان وعلى هذا فالباء للسببية كما مرّ أو للملابسة وقيل : الثاني متعين فتأمّل . قوله : ( وهو اعتذار بالنسيان ) إن كان راجعا لجميع ما تقدّم
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 2728 من حديث أبي بن كعب .
( 2 ) أخرجه البخاري 4725 من حديث ابن عباس عن أبي بن كعب مطولا .