من أنفسها وأعلاها ، ثم نفرهم عن الشيطان بتذكير ما بينهم من العداوة القديمة وهكذا مذهب كل تكرير في القرآن
كانَ مِنَ الْجِنِّ
حال بإضمار قد أو استئناف للتعليل كأنه قيل : ما له لم يسجد فقيل كان من الجنّ
فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
فخرج عن أمره بترك السجود والفاء للتسبب وفيه دليل على أن الملك لا يعصى البتة وإنما عصى إبليس ، لأنه
شرح
الضمير وعلى الاستئناف فهو استئناف بياني ويفهم منه التعليل ، كما قرّره . قوله : ( فخرج عن أمره بترك السجود ) جواب عما يتوهم من أنّ الفسق ترك الطاعة بالعصيان فكيف عدى بعن كما في قوله :
فواسقا عن قصدها جوائزا
ثم خص بالخروج عن طاعة اللّه ، وجوّز فيه أن تكون عن للسببية كما في قوله :
ينهون عن أكل وشرب
والمراد بالأمر في كلام المصنف قوله : اسجدوا وخروجه عنه مخالفته وفي الكشاف أنه بمعنى المأمور به وهو السجود وعدم اتصافه بالسجود الذي عم الملائكة خروج عنه ، قيل :
وهو أنسب باستثناء إبليس من حكم السجود ، وقيل : مسلك المصنف أولى لإبقائه على حقيقته ولكل وجهة والأمر فيه سهل . قوله : ( والفاء للتسبب ) لبيان تسبب فسقه عن كونه من الجن إذ شأنهم التمرّد وإن كان منهم من أطاع وآمن كما سيأتي في سورة الجنّ أو عن سجود غيره وتخلفه عن السجود فهي عاطفة إما على سجد الملائكة إلا إبليس ، أو على كان من الجنّ كما في الأعراف ، وقيل إنها هنا غير عاطفة إذ لا يصح تعليل ترك سجوده بفسقه عن أمر ربه ، قال الرضي : والفاء التي لغير العطف وهي التي تسمى فاء السببية لا تخلو أيضا من معنى الترتيب وتختص بالجمل وتدخل على ما هو جزاء مع تقدّم كلمة الشرط وبدونها وليس بشيء لأنه يكفي صحة ترتيب الثاني بسببية ، كما في قوله : فوكزه موسى فقضى عليه أو بدونها كما في ذهب زيد فجاء عمرو كما صرح به في التسهيل ، وقوله : وفي دليل الخ لأنه رتب فسقه على كونه من الجن وكونه ملكا أو لأمر تحقيقه في البقرة . قوله : ( أعقيب الخ ) تبع فيه الكشاف وقد قيل : عليه إنّ اتخاذهم هذا ليس عقيب ما وجد منه بل بعده بمدّة طويلة فالأظهر أنّ الفاء هنا لمجرّد الاستبعاد فإنّ اتخاذهم أولياء بعد ما وجد منه ما وجد مستبعد وكذا أنّ المعنى أعقيب علمكم بتلك القبائح تتخذونه الخ ، وقيل ما ذكر من الاستبعاد معنى الهمزة كالإنكار والتعجب ، فإن كان مراده أنّ الفاء لمجرّد البعد فهو مما لم يثبت ، وما أورده مدفوع بأنّ مراده أعقيب إعلامي بذلك الخ تعجبا من بقاء من اتخذه على ذلك ومن اتخاذ من اتخذه بعد ما عرفه انته ، وما ذكره من التأويل ليس في الكلام ما يدل عليه ، وكون الفاء لمجرّد الترتب والبعدية مع مهلة من مسائل المتون كما في التسهيل ولا يخفى أنه على مذهب الجمهور الفاء تفيد تعقيب الإنكار لا الاتخاذ فتأمل ، وكون الهمزة للإنكار والتعجب معا مر تحقيقه . قوله : ( أولاده أو أتباعه ) وقع