ويلازم أصحابه فقال :
وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ
أي من القرآن ولا تسمع كقولهم ائت بقرآن غير هذا أو بدّله
لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ
لا أحد يقدر على تبديلها وتغييرها غيره .
وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً
ملتجأ تعدل إليه إن هممت به
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ
احبسها وثبتها
مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ
في مجامع أوقاتهم أو في طرفي النهار ،
شرح
لإخراج بعض أهل الكتاب وإعجازه بذلك لا ينافي كونه معجزا ببلاغته فليس مبنيا على القول المرجوح ، وقوله : أمره جواب لما فإن قلت دلالته على ما ذكر تستلزم الأمر بملازمة الدراسة في الجملة لا ما عطف عليه ، قلت الظاهر أنها قضية اتفاقية مسوقة لبيان ارتباط هذه الآية بما قبلها كما تقول لما قدم زيد طلعت الشمس ولا ملازمة فيها عقلا ولا عادة فلا يرد عليه شيء حتى يدفع بأنّ المعطوف بمنزلة التفسير ، لأنّ المراد من درس الوحي تلاوته على أصحابه من غير التفات لمن طلب تبديله إذ هو كاف للموحد ، وهذا مبنيّ على أنّ أتل بمعنى اقرأ ، ويحتمل أنه من التلوّ بمعنى اتبع ما أوحي إليك من ربك وألزم العمل به . قوله : ( لا أحد يقدر على تبديلها الخ ) دفع لما يرد على ظاهره من أنّ التبديل واقع لقوله : وإذا بدّلنا آية الخ بأنّ المنفي تبديل غيره تعالى له ، وأمّا هو فقدرته شاملة لكل شيء يمحو اللّه ما يشاء ويثبت ، ومنهم من خص الكلمات بالخبر لأنّ المقام للإخبار عن قصة أهل الكهف وهو لا يبدّل أي ينسخ وكون المنسوخ ثابتا إلى وقت النسخ لا ينافي كونه تبديلا كما توهم ، ونفي القدرة لأنه في الواقع كذلك ونفيها يستلزم نفي التبديل بالفعل . قوله : ( ملجأ تعدل إليه ) اللحد والإلحاد حقيقته الميل والعدول والملتجئ إلى شيء يعدل عن غيره إليه فلذا ورد بمعنى الملجأ ، وقوله : إن هممت إشارة إلى أنه على الفرض والتقدير إذ هو صلّى اللّه عليه وسلّم بل خلص أمته لم يلتجؤوا لغير اللّه . قوله :
( احبسها وثبتها ) يشير إلى أنّ أصل معنى الصبر الحبس ومنه صبرت الدابة حبستها لتعلف ، ثم توسع فيه فاستعمل في الثبات على الأمر وتحمله ومنه الصبر بمعناه المعروف ولم يجعله منه هنا لتعدّيه ولزوم الآخر قيل وهذه الآية أبلغ من قوله في سورة الأنعاموَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ[ سورة الأنعام ، الآية : 52 ] الآية وقد مرّ . قوله : ( في مجامع أوقاتهم ) هذه العبارة تستعمل للدوام كما يقال :بُكْرَةً وَأَصِيلًا *وهو محتمل هنا وقد فسره به المصنف رحمه اللّه في سورة الأنعام فمجامع في كلامه إن كان جمع مجمع كمقعد ومنزل اسم مكان كما هو المشهور فيه ، فإضافته للأوقات بتقدير مضاف أي مجامع صلوات أوقاتهم الخمس ، أو مجامع أوقات صلاتهم الخمسة ، كما روي عن مجاهد وغيره وإن كان اسم زمان فإضافته بيانية ، والمراد أوقاتهم الجامعة لهم وهي تلك الأوقات أيضا ، وإن كان مصدرا فإنّ مجمعا يكون بمعنى الجمع كما في المصباح وأريد به المجموع فهو بمعنى الدوام وأمّا كونه جمع مجموع فلا وجه له ، وعلى الثاني فأخذه من النظم لأنّ هذه العبارة شائعة فيه وأمّا على الأوّل فلأنّ اجتماعهم مع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في الأكثر لذلك وعبارة المصنف لا تخلو من الركاكة ، وبما قرّرناه سقط ما قيل من أنّ الأولى أن يفسر بالدوام لأنه المعروف وليس في الآية ما يدلّ على دعائهم مجتمعين في أوقات