تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
على أنّ أمره في الإدراك خارج عما عليه إدراك السامعين والمبصرين إذ لا يحجبه شيء ولا يتفاوت دونه لطيف وكثيف وصغير وكبير وخفيّ وجليّ والهاء تعود إلى اللّه ومحله الرفع على الفاعلية والباء مزيدة عند سيبويه وكان أصله أبصر أي صار ذا بصر ثم نقل إلى صيغة الأمر بمعنى الإنشاء ، فبرز الضمير لعدم لياق الصيغة له أو لزيادة الباء كما في قوله تعالى :
شرح
يعني ليس المراد حقيقة التعجب لاستحالته عليه تعالى ، فالمراد أنه أمر عظيم من شأنه أن يتعجب من أمثاله ( أقول ) التعجب من العجب وهو ما يعرض عنه استعظام الأشياء التي تجهل أسبابها وتقل ، وصدوره من اللّه بلفظ العجب أو ما يدلّ عليه لا يجوز كما صرّح به في الكشاف في محل آخر وذكره عامة النحاة ولذا أوّلوا ما ورد في الحديث من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « عجب ربكم » « 1 » ونحوه وأمّا صدوره من الناس بأن يتعجبوا من بعض صفات اللّه أو أفعاله ، كقولهم : ما أعظم اللّه ، وفي الحديث ما أحملك عمن عصاك وأقربك ممن دعاك وأعطفك على من سألك « 2 » وقال الشاعر :ما أقدر اللّه أن يدني على شحط * من داره الحزن ممن داره صول . . .وهو كثير في كلامهم فقد ارتضى أكثر أهل العربية كالمبرّد والفارسي أنه جائز ، وسئل ابن هشام عنه فكتب رسالة في جوازه وما نحن فيه من القبيل الثاني لاندراجه تحت القول ، وقد جوّزوا فيه أن يكون حقيقة فما ذكروه ناشئ من عدم الفرق بين المقامين وليس هذا محل تفصيله ، فإن قلت بعدما بين اللّه مدّة لبثهم بقوله :ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً[ سورة الكهف ، الآية : 25 ] ما وجه ذكر :قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا[ سورة الكهف ، الآية : 26 ] قلت أمّا على الوجه الثاني وهو أنه حكاية عن تردّد أهل الكتاب في أنه ثلاثمائة وتسع فظاهر وأمّا على الأوّل فالمراد أنّ اللّه أعلم بحقيقة ذلك وكيفيته وهو بعد الإخبار عنه إشارة إلى أنه بإخبار اللّه وإعلامه لا من عنده وأمّا احتمال أنّ السنين شمسية أو قمرية والتسع سنين أو شهورا فليس بشيء . قوله : ( والهاء تعود إلى اللّه ) أي في قوله به وهذان المذهبان في إعراب هذه مشهوران مبسوطان في العربية ، وقوله : صار ذا بصر يعني أنّ الهمزة للصيرورة لا للتعدبة كأغدّ البعير أي صار ذا غدة ونقله إلى صورة الأمر ليدلّ على أنه قصد به معنى إنشائي لتعيينه فيه بخلاف الماضي فإنه خبر في الأكثر وقد يرد للإنشاء كنعم وبئس ، وقوله : لياق وفي نسخة لياقة بفتح اللام بمعنى مناسبة صيغة الأمر له بحسب الظاهر لأنه ضمير غائب وفاعل الأمر أبدا ضمير مخاطب مستتر فأبرز لذلك وله محلان رفع وجر ومثله كثيرا ، ولدخول الباء الزائدة عليه ، وتصييره مجرورا وهو لا يستتر إذ المستتر لا يكون الأمر فرعا ولذا حذف من قوله : أسمع مع أنّ الفاعل لا يجوز حذفه
هامش
( 1 ) كحديث أبو هريرة : سمعت أبا القاسم صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : عجب ربنا من أقوام يقادون إلى الجنة في السلاسل . وأخرجه البخاري 3010 وأبو داود 2677 ، وأحمد 2 / 457 . ( 2 ) لم أجده ولعله لا يصح مرفوعا .
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 163 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي