وَالْأَرْضِ بَصائِرَ
بينات تبصرك صدقي ولكنك تعاند وانتصابه على الحال
وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً
مصروفا عن الخير مطبوعا على الشر من قولهم ما ثبرك عن هذا أي ما صرفك أو هالكا قارع ظنه بظنه ، وشتان ما بين الظنين فإنّ ظنّ فرعون كذب بحت وظنّ موسى يحوم حول اليقين من تظاهر أماراته وقرىء وإن لا خالك يا فرعون لمثبورا على أن المخففة واللام هي الفارقة
فَأَرادَ
فرعون
أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ
أن يستخف موسى وقومه وينفيهم
مِنَ الْأَرْضِ
أرض مصر أو الأرض مطلقا بالقتل والاستئصال ،
فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً
فعكسنا عليه مكره فاستفززناه وقومه بالإغراق
وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ
من بعد فرعون وإغراقه
لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ
التي أراد أن يستفزكم منها
فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ
شرح
جمع بصيرة بمعنى مبصرة أي بينة كما مرّ تحقيقه في قوله : وآتينا ثمود الناقة مبصرة أو المراد الحجج بجعلها كأنها بصائر العقول وتكون بمعنى عبرة كما ذكره الراغب ، وقوله : نبصرك صدقي إشارة إلى علاقة التجوّز فيه . قوله : ( وانتصابه على الحال ) فإن قلنا ما قبل إلا يجوز علمه فيما بعده وإن لم يكن مستثنى ولا تابعا له فعامله أنزل المذكور وصاحبها هؤلاء وإليه ذهب أبو البقاء والحوفي وابن عطية وإلا فالعامل مقدّر تقديره أنزلها . قوله : ( مصروفا عن الخبر ) من الثبر بمعنى الصرف مطلقا ، وقدّر متعلقه مخصوصا بقرينة المقام وكونه مطبوعا على الشر من لوازمه وقوله : هالكا فهو من ثبر اللازم بمعنى هلك ومفعول فيه للنسب بناء على أنه يأتي له من اللازم والمتعدّي ، وفسره المعرب بمهلكا وهو ظاهر وفي شرح شعر هذيل في قوله :بنعمان لم يحلف شنيقا مثبراإن في الحديث ما ثبر الناس « 1 » أي عجل الدنيا وأخر الآخرة ، وقال أبو عمر ومثبر : لا يصيب خيرا ، وقيل ضعيف وبه فسرت الآية . قوله : ( قارع ظنه بظنه ) أي قابله به لدفعه ، كما يتقابل المتقارعان بالرماح فهو استعارة ، وقوله : كذب بحت بالباء الموحدة والحاء المهملة والتاء الفوقية أي خالص لا يطابق واقعا ولا اعتقادا ولا إمارة عليه وإنما سمي ظنا لتعبيره به أو لأنه وقع منه الظن لفساد عقله ، وما ذكر بالنسبة للواقع في العقول السليمة وأخالك بمعنى أظنك بكسر الهمزة في الفصيح وقد تفتح . قوله : ( أن يستخف الخ ) هذا أصل معناه أي يزعجهم فكني به عن إخراجهم من أرضهم وهي مصر إن ثبت أنهم دخلوها ، فإن لم يثبت فالمراد ذريتهم أو يراد بالأرض الأرض المقدّسة والتعريف للعهد أو من جميع الأرض والتعريف للجنس ويلزمه قتلهم واستئصالهم وهو المراد به . قوله : ( فعكسنا عليه مكره ) أي أراد ذلك لهم دونه فكان له دونهم والتعكيس على الثاني ظاهر فإن خص به فأظهر وإلا فهو على
هامش
( 1 ) هو من كلام أبي موسى قاله لأنس بن مالك : « أتدري ما بثر الناس » انظر الفائق للزمخشري 1 / 162 .