بالإيمان وجوب التوكل ، فإنه المقتضى له والمشروط بالإسلام حصوله ، فإنه لا يوجد مع التخليط ، ونظيره إن دعاك زيد ، فأجبه إن قدرت
فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا
لأنهم كانوا مؤمنين مخلصين ، ولذلك أجيبت دعوتهم
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً
موضع فتنة
لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
أي لا تسلطهم علينا فيفتنونا
وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
من كيدهم ، ومن شؤم مشاهدتهم وفي تقديم التوكل على الدعاء تنبيه على أن الداعي ينبغي له أن يتوكل أوّلا لتجاب دعوته
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا
أي اتخذا مباءة
لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً
شرح
أنه من تعليق شيئين بشرطين لأنه علق وجوب التوكل بالإيمان ، وعلق نفس التوكل بالإسلام وهو الإخلاص للّه والانقياد لقضائه كالمثال الذي ذكره فإنّ وجوب الإجابة معلق على الدعوة ونفس الإجابة معلقة على القدرة ، وعلى هذا حمل كلام الكشاف بعض شراحه ، وقال إنه يفيد مبالغة في ترتب الجزاء على الشرط نحو إن دخلت الدار فأنت طالق إن كنت تزوّجتني ، وسيأتي تفصيله ، وخالف من قال إنّ مراده أنه من باب التعليق بشرطين المقتضي لتقدّم الشرط الثاني على الأوّل في الوجود حتى لو قال إن كلمت زيدا فأنت طالق إن دخلت الدار لم تطلق ما لم تدخل قبل الكلام لأنّ الشرط الثاني شرط للأوّل فيلزم تقدّمه عليه ، وقرّره بأنّ هنا ثلاثة أشياء الإيمان ، والتوكل والإسلام ، والمراد بالإيمان التصديق وبالتوكل إسناد الأمور إليه وبالإسلام تسليم النفس إليه ، وقطع الأسباب فعلق التوكل بالتصديق بعد تعليقه بالإسلام لأنّ الجزاء معلق بالشرط الأوّل وتفسير للجزاء الثاني كأنه قيل إن كنتم مصدّقين اللّه ، وآياته فخصوه بإسناد جميع الأمور إليه وذلك لا يتحصل إلا بعد أن تكونوا مخلصين للّه مستسلمين بأنفسكم له ليس للشيطان فيكم نصيب وإلا فاتركوا أمر التوكل لأنه ليس لكل أحد الخوض فيه . قوله : ( فإنّ المعلق بالإيمان وجوب التوكل الخ ) الوجوب مأخوذ من الأمر وتقديم المتعلق لأنه إذا كان إسناد الأمور إلى الغير لازما ، وقد أسندت إليه تعالى دون غيره اقتضى وجوب ذلك ولو جاز التوكل على غيره لم يكن واجبا ، وقد علق التوكل المقصور على الأوّل ، وجعل الثاني معلقا بقوله توكلوا وحده كما أشار إليه بتأخير المتعلق ، ولا حاجة إلى اعتبار القصر فيه لأنّ الإخلاص يغني عنه كما أشار إليه بقوله فإنه لا يوجد مع التخليط أي عدم الإخلاص لأن من لم يخلص للّه لم يتوكل عليه لأن من توكل عليه كفاه فأمعن فيه النظر فإنه من غوامض الكتاب .
قوله : ( لأنهم كانوا مؤمنين مخلصين ) هذا يؤخذ من التوكل وقصره على اللّه ومن التعبير بالماضي دون توكل والدعوة ربنا لا تجعلنا فتنة الخ وقيل إنه مبني على أن دعاء الكافر في أمر الدين غير مقبول ، ولا دلالة له على الإخلاص ، وفيه نظر وقوله موضع فتنة أي موضع عذاب لهم بأنّ تسلطهم علينا فيعذبونا ، وقيل الفتنة بمعنى المفتون وهو المراد بموضع الفتنة مجازا وقوله أي لا تسلطهم الخ تفسير له وقوله من كيدهم إشارة إلى أنّ النجاة بمعنى الخلاص وأنه إما مما يتهمون به أو من أنفسهم ، وقوله وفي تقديم التوكل الخ ، ولا ينافيه أنه قدم لكونه بيانا لامتثال أمر موسى صلّى اللّه عليه وسلّم لهم بالتوكل فإن النكات لا تتزاحم . قوله : ( أي اتخذا مباءة ) بالمدّ أي