وأوقع الإذاقة عليه بالنظر إلى المستعار له كقول كثير :
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا * غلقت لضحكته رقاب المال
فإنه استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه وأضاف إليه الغمر الذي هو وصف المعروف والنوال لا وصف الرداء نظرا إلى المستعار له وقد ينظر إلى المستعار كقوله :
شرح
وجه لقوله صورة اللباس مما لا مدخل له في التأثير ، وما ادّعاه من أنه لا يناسب مع الفاعل إلا ذكر الآلة للتأثير لم يصرح به أحد من القوم ولا يتأتى التزامه في كل مكنية ألا تراك لو قلت إنّ مسافة القصر القريض ما زال يطويها حتى نزل ببابه على تشبيه المدح بمسافر أثبت له المسافة تخييلا وما بعده ترشيحا كانت استعارة حسنة ، وليست قرينتها آلة لذلك الفاعل بل أمر من لوازمه ، ولو تتبعت كلام البلغاء وجدت مثله يفوت العد ، ويخرق سياج الحد مع أنه لو سلم ورد على ما اختاره فإنّ الإذاقة لا تناسب اللباس ظاهرا فتأمل .
قوله : ( كقول كثير :غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا * غلقت لضحكته رقاب المال )هذا البيت من شواهد العربية ، وهو من قصيدة لكثير عزة مدح بها عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه يقول إنه جواد لأنّ الغمر من الغمرة ، وهي في الأصل معظم الماء وكثرته فاستعيرت للشدّة والعطاء الكثير بل لكلّ كثير فالمعنى أنه كثير العطاء ، وقيل كثير الدين لكثرة عطائه فوضع الرداء موضع الدين الذي يغمر الذمّة لأنّ كلا منهما كذلك أما الرداء فيغمر اللابس ، وأما الدين فيغمر الذمة ومنه قول حكيم العرب من أراد الغنى فليخفف الردا أي ثقل الدين ، وإذا تبسم ضاحكا قيل معناه شارعا في الضحك ، وقال الفاضل اليمني معناه إذا ضحك تبسم أي إن ضحكه كله تبسم ، وهو من أخلاق الكرام ، والمعنى أنه إذا تبسم في وجه راجيه وجبت لهم رقاب ماله صارت لهم بمنزلة الرهن إذا غلق عند مرتهنه بأن استحقه وصار له إذا عجز الراهن عن تخليصه ، وكان هذا معروفا في الجاهلية ، وإن لم يتعاقدا عليه كما في بيع الوفاء ففيه استعارة تبعية ، وقال السيرافيّ معناه أنه إذا ضحك وهب ماله والمال عام لكل متموّل ويختص بالإبل في إطلاق كلامهم لأنها أكثر أموالهم فرقاب الأموال الإبل نفسها كقوله من أعتق رقبة أي عبدا ، والغلق هنا بالغين المعجمة ضد الفتح ، والمعروف الإحسان هنا . قوله :
( الغمر الذي هو وصف المعروف والنوال ) نظرا إلى المستعار له كذا في الكشاف واعترض عليه بأنّ أهل اللغة نصوا على أنه يوصف به الثوب أيضا كما يوصف به المنوال وكلاهما مجاز ، وقد صرّح به في الأساس فبين كلاميه تدافع ، وأجيب بأنه شاع في النوال وإن كان مجازا فلا ينافيه استعماله في اللباس مجازا أيضا وهذا لا يحسم مادّة الاشكال لأنه إذا وصف به الثوب وأضيف إليه لم يكن تجريدا قال الفاضل اليمني بعد ما قرر كلام الزمخشريّ قلت فيه عدول عن الظاهر