عن ذاتها وتسعى في خلاصها لا يهمها شأن غيرها فتقول نفسي نفسي
وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ
جزاء ما عملت
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
لا ينقصون أجرهم
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً
أي جعلها مثلا لكلّ قوم أنعم اللّه عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا ، فأنزل اللّه بهم نقمته أو لمكة
كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً
لا يزعج أهلها خوف
يَأْتِيها رِزْقُها
أقواتها
رَغَداً
واسعا
مِنْ كُلِّ مَكانٍ
من نواحيها
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ
بنعمه جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع أو جمع نعم كبؤس وأبؤس
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
استعار الذوق لادراك أثر الضرر واللباس لما غشيهم ، واشتمل عليهم من الجوع والخوف ،
شرح
أو فيه مضاف مقدّر . قوله : ( لا ينقصون أجرهم ) إن أريد بجزاء ما عملت العقاب ، وبهذا الثواب فلا تكرار فيه ، وإن كان الأوّل أعم يكون هذا تكرارا للتأكيد ، ولذا قيل الأولى تفسيره بأنهم لا يظلمون بزيادة العقاب أو بالعقاب بغير ذنب إلا أن يقال هذا أولى لأنه لما ذكر مجازاة ذنبها توهم إحباط عملها فدفع بهذا أي توفي جزاء عملها كله من خير وشرّ . قوله : ( جعلها مثلا ) أي جعل القرية التي هذه حالها مثلا ، والمراد أهلها مجازا أو بتقدير مضاف فضمن ضرب معنى جعل وقرية مفعول أوّل ومثلا مفعول ثان ، وقد مرّ تفصيله ، وقوله لكل قوم أي هذا المثل ضرب لكل قوم كانوا بهذه الصفة من غير تعيين أو لقوم مخصوصين وهم أهل مكة كما أشار إليه بقوله أو لمكة أي لأهلها والقرية إمّا مقدّرة بهذه الصفة غير معينة إذ لا يلزم وجود المشبه به أو معينة من قرى الأوّلين ، وقوله من نواحيها بيان لمكان . قوله : ( جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء ) لأنّ المطرد جمع فعل على أفعل لا فعلة ، ونعم بضم النون بمعنى النعمة أو اسم جمع للنعمة كما قاله الفاضل اليمني . قوله : ( استعار الذوق الخ ) لما كان المتبادر أنّ الإذاقة واللباس هنا استعارتان إذ معناهما الحقيقي غير مراد وفي إيقاع إحداهما على الأخرى خفاء ذهب الزمخشريّ ، وتبعه المصنف رحمه اللّه تعالى إلى ما ذكر ، وحاصله على ما قرره في الكشف أنّ الإذاقة استعيرت للإصابة وأوثرت للدلالة على شدة التأثير التي تفوت لو استعملت الإصابة وبين العلاقة بأنّ المدرك من أثر الضرر شبه بالمدرك من طعم المر البشع ، ووجه الشبه بينهما الكراهة ، والنفرة فهو من باب استعارة المحسوس للمعقول ، وإنما قدم الزمخشريّ أنها جرت مجرى الحقيقة ليفرع عليه أنّ إيقاعها على اللباس تجريد فلا فرق بين إذاقها إياه ، وأصابها به على ما حقق من أنّ التجريد إنما يحسن أو يصح بالحقيقة أو ما ألحق بها من المجاز الشائع فكان على المصنف رحمه اللّه تعالى أن لا يهمله ، وأمّا الاعتراض عليه بأنه لولاه لم يظهر كونه ملائما للمستعار له لأنّ حدوث الاستعارة في هذا يستدعي أن يكون لباس الجوع قرينة الاستعارة لعدم ما يصلح قرينة لها غيره فكيف يتأتى التجريد فمدفوع بأنه مبنيّ على أنّ التجريد
هامش
- وأحمد 2 / 435 - 436 وابن حبان 6465 وابن أبي شيبة 11 / 444 وابن خزيمة في « التوحيد » ص 242 - 244 والبغوي 4332 والبيهقي ص 315 في « الأسماء والصفات » كلهم من حديث أبي هريرة .