بالولاية والنصر ، وثم لتباعد حال هؤلاء عن حال أولئك وقرأ ابن عامر فتنوا بالفتح أي بعد ما عذبوا المؤمنين كالحضرمي أكره مولاه جبرا حتى ارتد ثم أسلما وهاجرا
ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا
على الجهاد وما أصابهم من المشاق
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها
من بعد الهجرة والجهاد والصبر
لَغَفُورٌ
لما فعلوا قبل
رَحِيمٌ
منعم عليهم مجازاة على ما صنعوا بعد
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ
منصوب برحيم أو باذكر
تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها
تجادل
شرح
أنّ أصل الفتنة في اللغة إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته كما قال الراغب ، ثم تجوّز به عن البلاء ، وتعذيب الإنسان ، وقوله بالولاية والنصر تفسير لمعنى اللام الداخلة على النفع ، ومتعلق بها أو بما تدلّ عليه وفيه إشارة إلى أنّ قوله للذين هاجروا خبر أنّ أي هو كائن لهم لا عليهم ، وقيل إنه متعلق بالخبر على نية التقديم والتأخير والخبر لأنّ الأولى والثانية مكرّرة للتأكيد أو للثانية ، وخبر الأولى مقدر ، وقوله وثم لتباعد حال هؤلاء يعني أنها للتفاوت والتباعد في الرتبة مجازا لا للتراخي الحقيقي إذ أمرهم في الآخرة مؤخر فمقتضى الظاهر العكس ، وقوله من بعد ما عذبوا مرّ بيانه ، وفسر فتنوا على هذه بوقعوا في الفتنة فإنه ورد لازما ومتعدّيا . قوله :
( على الجهاد الخ ) يعني متعلقه إمّا خاص بقرينة أو عام ، وقوله من بعد الهجرة والجهاد ، والصبر يعني أنّ الضمير راجع لما قبله وأنث باعتبار المذكورات ، ولو زاد الفتن كان أظهر وتركه لدخوله في الصبر ، وقوله منصوب برحيم أي على الظرفية ، ولا يضرّ تقييد الرحمة بذلك اليوم لأن الرحمة في غيره تثبت بالطريق الأولى ، وهذا أحسن لارتباط النظم به ومقابلته لقوله :فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ . *قوله : ( تجادل عن ذاتها ) هو إشارة إلى ما في الكشاف من أن الضمير للنفس فيكون تقديره نفس النفس ، وفيه إضافة الشيء لنفسه قال في الكشف النفس الأولى هي الذات ، والجملة أي الشخص بإجزائه كما في قولك نفس كريمة ، والثانية ما يؤكد به ويدلّ على حقيقة الشيء وهويته والفرق بينهما أنّ الإجزاء ملاحظة في الأوّل دون الثاني ، والأصل هو الثاني لكن لعدم المغايرة بين الذات وصاحبها استعمل بمعنى الصاحب ثم أضيف الذات إليه فوزان كل نفس وزان كل أحد ، وفي الفرائد المغايرة شرط بين المضاف ، والمضاف إليه لامتناع النسبة بين منتسبين فلذا قالوا يمتنع إضافة الشيء لنفسه إلا أنّ المغايرة قبل الإضافة كافية ، وهي محققة هنا لأنه لا يلزم من مطلق النفس نفسك ، ويلزم من نفسك مطلق النفس فلذا صحت الإضافة ، وإن اتحدا بعدها ولذا جاز عين الشيء وكله ونفسه بخلاف أسد الليث وحبس المنع فتأمل . قوله : ( وتسعى في خلاصها ) بيان للمراد من المجادلة ، والاعتذار بنحو هؤلاء أضلونا وما كنا مشركين ، وقوله فتقول نفسي نفسي معمول لمقدر كنج ، وهو بيان لعدم الاهتمام بشأن غيرها إذ لم يقل ولدي وأبي وأمي ونحوه لا للمجادلة وهو ظاهر ، وهذه العبارة وردت بعينها في الحديث « 1 » وقوله جزاء ما عملت يعني أنه تجوّز يجعل الجزاء كأنه عين العمل
هامش
( 1 ) هو بعض حديث مطول أخرجه البخاري 3340 - 3361 - 4712 ومسلم 194 والترمذي 2234 -