وقيل الإيمان باللّه
وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ
أي أيمان البيعة أو مطلق الإيمان
بَعْدَ تَوْكِيدِها
بعد توثيقها بذكر اللّه تعالى ، ومنه أكد بقلب الواو همزة
وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا
شاهدا بتلك البيعة فإنّ الكفيل مراع لحال المكفول به رقيب عليه
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ
في نقض الإيمان والعهود
وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها
ما غزلته مصدر
شرح
الماضي والمستقبل ، وقوله إذا عاهدتم مختص بالثاني فليس بشيء . قوله : ( وقيل الأيمان باللّه ) بفتح الهمزة جمع يمين وهو إما يمين البيعة أو المطلق فقوله :وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَتكرير للتوكيد على هذا ثم الظاهر أنّ المراد بالإيمان في النظم المحلوف عليه كما في الحديث : « من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه » « 1 » لأنه لو كان المراد به ذكر اسم اللّه كان عين التأكيد لا المؤكد فلم يكن محلّ ذكر العاطف كما تقرّر في المعاني ، وهذا إذا لم يرد به يمين مخصوصة كما مر وإذا حمل على مطلق الإيمان فهو عام للحديث السابق لا خاص كما ذهب إليه الإمام لأنّ الخطر لو لم يكن باقيا ما احتيج إلى الكفارة الساترة للذنب كذا قيل ورد بأنّ المراد به العقد لا المحلوف عليه لأنّ النقض إنما يلائم العقد ، ولا ينافيه قوله بعد توكيدها كما توهم لأنّ المراد كون العقد مؤكدا بذكر اللّه لا بذكر غيره كما يفعله العامة فالمعنى إنّ ذلك النهي لما ذكر لا عن نقض الحلف بغير اللّه ، ثم إنّ النهي عن نقضه عام مخصوص بالحديث السابق ، ووجوب الكفارة بطريق الزجر إذ أصل الإيمان الانعقاد ، ولو محظورة فلا ينافي لزوم موجبها ، وقد يقال إنه للإقدام على الحلف باللّه في غير محله فليتأمل .
قوله : ( بقلب الواو همزة ) هذا مذهب الزجاج وغيره من النحاة ، وذهب غيرهم إلى أنهما لغتان أصليتان كأرخت وورخت لأنّ الاستعمالين في المادّتين متساويان فلا يحسن القول بأنّ الواو بدل من الهمزة كما في الدر المصون . قوله : ( شاهدا الخ ) يعني أنّ الكفيل هنا ليس بمعناه المتبادر منه بل بمعنى الشاهد إمّا على التشبيه فهو استعارة أو باستعماله في لازم معناه فهو مجاز مرسل ، والعبارة محتملة لهما ، والظاهر أن جعلهم مجاز أيضا لأنهم لما فعلوا ذلك ، واللّه مطلع عليهم فكأنهم جعلوه شاهدا ، ولو أبقى الكفيل على ظاهره ، وجعل تمثيلا لعدم تخلصهم من عقوبته وأنه يسلمهم لها كما يسلم الكفيل من كفله كما يقال من ظلم فقد أقام كفيلا بظلمه تنبيها على أنه لا يمكنه التخلص من العقوبة كما ذكره الراغب لكان معنى بليغا جدّا فتأمّله ، وقوله إنّ اللّه يعلم كالتفسير لما قبله ، وهذه الجملة حالية إمّا من فاعل تنقضوا أو من فاعل المصدر وإن كان محذوفا ، وقوله إبرام بالباء الموحدة والراء المهملة أصل معناه تقوية فتل الخيط والحبل ونحوه ولذا تجوّز به عن الإلحاح فقوله وأحكام عطف تفسير ، وهما مصدران
هامش
( 1 ) أخرجه النسائي 7 / 10 وابن ماجة 2111 وأحمد 2 / 185 - 211 - 212 والطيالسي 2259 وابن حبان 4347 والبيهقي 10 / 33 - 34 كلهم من حديث عبد اللّه بن عمرو بهذا اللفظ .