أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي
أي بعض ذريتي ، أو ذرية من ذريتي فحذف المفعول ، وهم إسماعيل ومن ولد منه فإن إسكانه متضمن لإسكانهم
بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
يعني وادي مكة فإنها حجرية لا تنبت
عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ
الذي حرّمت التعرض له ، والتهاون به أو لم يزل معظما ممنعاتها به الجبابرة ، أو منع منه الطوفان فلم يستول عليه ، ولذلك سمي عتيقا أو أعتق منه ، ولو دعا بهذا الدعاء أوّل ما قدم فلعله قال : ذلك باعتبار ما كان أو ما سيؤول إليه ، روي أنّ هاجر كانت لسارة رضي اللّه عنها فوهبتها لإبراهيم عليه السّلام فولدت منه إسماعيل عليه السّلام فغارت عليهما فناشدته أن يخرجهما من عندها فأخرجهما إلى أرض
شرح
احتمال أن تكون المغفرة ابتداء كما قيل ، وقيل إنّ أو للتنويع ، والتعميم لا للترديد يعني أنه مطلق يتناول الوجهين والعصيان ففيه دليل على جواز مغفرة الشرك لكن الوعيد دلّ على عدم وقوعه ، وهذا هو المناسب للمقام ، وقد مرّ تحقيقه في آخر المائدة ، وقال النوويّ في شرح مسلم أنّ مغفرة الشرك كانت في الشرائع المتقدّمة جائزة في أممهم ، وإنما امتنعت في شرعنا ، ولا ينافيه كلام المصنف رحمه اللّه تعالى لأنّ الوعيد جاء في القرآن ووجه الدلالة قوله غفور رحيم لأنه في حق الكفرة رجاء منه . قوله : ( أي بعض ذريتي أو ذرّية من ذرّيتي الخ ) أي من بمعنى بعض ، وهي في تأويل المفعول به أو المفعول به محذوف ، ومن ذريتي صفته سدّت مسدّه ومن يحتمل التبعيض ، والتبيين ، وقوله وهم إسماعيل ومن ولد منه على الوجهين ، وقوله ولد منه عممه لقوله ليقيموا الخ ، والإسكان له حقيقة ولأولاده مجاز فهو من عموم المجاز ، وقوله فإنها حجرية أي كثيرة الحجارة ، وقليلة المياه ، وهذا باعتبار الأكثر الأغلب فيها ، وقوله غير ذي زرع كقوله :قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍيفيد المبالغة في أنه لا يوجد فيه ذلك لأنّ معناه ليس صالحا للزرع ، وليس صالحا للعوج فلذا عدل عن مزروع ، وأعوج مع أنه أخصر ، وهذا مما ينبغي التنبه له ، وأشار إليه في الكشاف ، وشروحه . قوله : ( الذي حرّمت التعرّض له الخ ) قال الزمخشريّ وقيل للبيت المحرم لأنّ اللّه حرّم التعرض له ، والتهاون به وجعل ما حوله حرما لمكانه أو لأنه لم يزل ممنعا عزيزا يهابه كل جبار كالشئ المحرّم الذي حقه أن يجتنب أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكها أو لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقا فذكر في وجه تسميته به أربعة وجوه بناء على أنّ الحرمة التعظيم أو الحرمة الشرعية ، وأنه حقيقة فيه أو باعتبار أمر آخر ، والمصنف رحمه اللّه تعالى لما رأى تقاربها أدرجه فيما ذكر ، وقوله ولذلك سمي عتيقا أي لأنه أعتق من الطوفان ، وقيل لقدمه . قوله : ( ولو دعا بهذا الدعاء الخ ) جواب لو قوله فلعله بناء على أنه قد يقترن بالفاء أي إن ثبت أنه دعا الخ فلعله ، وفي نسخة ودعا بدون لو وهي ظاهرة ، والمقصود توجيه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم عند بيتك المحرم فإنه إنما بني بعد ذلك فلا يكون الإسكان عنده ، وحاصله أنّ الإسكان عند موضعه وكونه موضعا إما باعتبار ما كان لأنه كان مبنيا قبله لكنه رفع وقت الطوفان أو باعتبار ما سيؤول إليه لأنه بناه بعد ذلك في مكانه الآن . قوله : ( روي أنّ هاجر الخ ) هو بفتح الجيم اسم أم إسماعيل عليه الصلاة