قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ
من كلام موسى عليه الصلاة والسّلام أو كلام مبتدأ من اللّه
وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ
جملة وقعت اعتراضا أو الذين من بعدهم عطف على ما قبله ، ولا يعلمهم اعتراض ، والمعنى أنهم لكثرتهم لا يعلم عددهم إلا اللّه ، ولذلك قال ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه كذب النسابون
جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا
شرح
حرمتموها فهما بمعنى ، وهذا هو جواب الشرط في الحقيقة وما ذكر في النظم دليله ، وقيل إنما ذكره المصنف رحمه اللّه تعالى لدفع توهم عود فائدة الشكر عليه والجواب تقديره لم يتضرر أو لم ينقص منه شيء ، وما ذكر دليله فقول المصنف رحمه اللّه تعالى فما الخ تفريع على هذه الآية ، وما قبلها لا تقدير للجواب لأنّ ضرر الكفران مستفاد مما تقدّم ، وانحصاره فيهم مفهوم من هذه الآية ، ولا يخفى أن ما ذكره ، وما قدّره المعترض واحد لأنّ معنى ما ضررتم إلا أنفسكم أنّ نفعه ، وضره عائد عليكم فلا يتضرر به اللّه فلا وجه لاعتراضه غير تكثير السواد بما لا محصل له . قوله : ( من كلام موسى عليه الصلاة والسّلام أو كلام مبتدأ من اللّه ) فعلى الأوّل هو من مقول القول ، وهو تذكير لبني إسرائيل بأحوال من تقدّمهم ليعتبروا بهم ، وعلى الثاني هو ابتداء كلام من اللّه غير محكي مخاطبا به أمّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، بعد ما ذكر إرساله صلّى اللّه عليه وسلّم بالقرآن ، وقص عليهم بعضا من قصص موسى عليه الصلاة والسّلام . قوله : ( جملة وقعت اعتراضا ) أي جملة بتمامها من المبتدأ والخبر وقعت اعتراضا في الكلام قيل عليه ليس جملة اعتراضية لأنّ الاعتراض لا يكون إلا بين جزأين يطلب أحدهما الآخر ، وكذا قوله لا يعلمهم إلا اللّه اعتراض يرد عليه ما ذكر ، ومنع بأنّ بينهما ارتباطا يطلب به أحدهما الآخر لأنه يجوز أن تكون جملة جاءتهم حالا بتقدير قد ، والاعتراض يقع بين الحال ، وصاحبها فليس ما ذكر مخالفا لكلام النحاة ، ولو سلم أنها ليست بحالية فما ذكروه هنا على مصطلح أهل المعاني فإنهم لا يشترطون الشرط المذكور حتى جوّزوا أن يكون في آخر الكلام كما صرّح به ابن هشام في المغني مع أنّ جملة جاءتهم رسلهم الخ مفسرة للجملة الأولى فهي مرتبطة بها معنى ، واشتراط الارتباط الإعرابي عند النحاة غير مسلم أيضا فتأمل . قوله : ( أو الذين من بعدهم عطف على ما قبله ) يعني الموصول أو قوم نوح ، وذكر مع دخوله في الذين من قبلكم لتفسيره بقوم نوح الخ ، والثاني أوفق بالمعنى ، والأوّل أوفق باللفظ ، وقال الطيبي : هذا أحسن لحسن موقع الاعتراض إذ حسنه أن يؤكد ما اعترض فيه وليس في الأوّل رائحة ذلك . قوله : ( والمعنى أنهم لكثرتهم الخ ) أي على الوجهين لكنه يختلف عليهما مرجع الضمير في أنهم ولكثرتهم ، وعددهم فهو الموصول الثاني على الأوّل ، ومجموع الموصولين على الثاني ، ومعنى الاعتراض على الثاني ألم يأتكم أنباء الجم الغفير الذي لا يحصى كثرة فتعتبروا بها إنّ في ذلك لمعتبرا ، وعلى الأوّل فهو ترق ، ومعناه ألم يأتكم نبأ هؤلاء ، ومن لا يحصى بعدهم كأنه يقول دع التفصيل فإنه لا مطمع فيه ، وفيه لطف لإيهام الجمع بين الإجمال ، والتفصيل ، ولذا قدّمه جار اللّه ، وأيده بقول ابن عباس وابن مسعود رضي اللّه عنهم فإنه فيه أظهر . قوله : ( ولذلك قال ابن مسعود رضي اللّه