مَكْرُهُمْ
تمويههم فتخيلوا أباطيل ثم خالوها حقا أو كيدهم للإسلام بشركهم
وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ
سبيل الحق ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ، وصدّوا بالفتح أي وصدّوا الناس عن الإيمان ، وقرىء بالكسر وصدّ بالتنوين
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ
بخذلانه
فَما لَهُ مِنْ هادٍ
يوفقه للهدى
لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
بالقتل والأسر ، وسائر ما يصيبهم من
شرح
يريدون أن ينبؤوا عالم السرّ ، والخفيات بما لا يعلمه ، وهو محال على محال ، وفي جعل اتخاذهم شركاء ، ومجادلة الرسول عليه الصلاة والسّلام إنباء له تعالى نكتة بل نكت سرية ، ثم أضرب عن ذلك ، وقيل :قد بين الشمس لذي عينينوما تلك التسمية إلا بظاهر القول لا طائل تحته بل هو صوت فارغ فمن تأمّل حق التأمّل اعترف بأنه كلام خالق القوى ، والقدر الذي تقف دون أستار أسراره أفهام البشر ، وقوله أم بظاهر أم منقطعة وقيل متصلة وقيل الظاهر بمعنى الباطل كقوله :وذلك عاريا ابن ريطة ظاهرقوله : ( تمويههم فتخيلوا أباطيل ثم خالوها ) قوله بل زين إضراب عن الاحتجاج عليهم فكأنه قيل دع ذا فإنه لا فائدة فيه لأنهم زين لهم ما هم عليه من المكر ، والتمويه من قولهم موّه الآنية إذا طلا النحاس منها بفضة أو ذهب ليظنّ أنها ذهب أو فضة ، وليست به فأطلق على التلبيس بالمكر ، والخديعة ولذا عطف أحدهما على الآخر ، وقوله فتخيلوا أباطيل أي تكلفوا الإيقاع ذلك في الخيال من غير حقيقة ، ثم بعد ذلك ظنوها شيئا لتماديهم في الضلال ويحتمل أنّ المتخيل أوّل من أسسها ، ومن خالها من قلدهم من بعدهم فأسند فيهما ما للكل إلى البعض لوقوعه بينهم ، ورضاهم به ، وحذف أحد مفعولي خال لأنه يجوز إذا قامت عليه قرينة ، وإن كان الأكثر خلافه ، وتمويههم ومكرهم مضاف إلى الفاعل ويجوز أن يكون مضافا إلى المفعول ، وقوله أو كيدهم للإسلام بشركهم فعلى الأوّل المراد به مكرهم بأنفسهم ، وعلى هذا بغيرهم من الإسلام ، وأهله . قوله : ( سبيل الحق ) فتعريفه للعهد أو ما عداه كأنه غير سبيل ، وفاعل الصد إما مكرهم ، ونحوه أو اللّه بختمه على قلوبهم ، وعلى قراءة الفتح للمعلوم مفعوله محذوف ، وأمّا قراءة الكسر فشاذة ، وهو مجهول نقلت فيه حركة العين إلى الفاء إجراء له مجرى الأجوف ، وهو قوله وصدّ بالتنوين أي وقرئ صدّ ، وهو معطوف على مكرهم في النظم ، وعلى كونه معلوما مفعوله محذوف كما ذكره يناسب التفسير الثاني لمكرهم ولذلك قدّم القراءة المناسبة للتفسير الأوّل ، ولم يجعل صدّوا منزلا منزلة اللازم لعدم ملايمته للتفسيرين وفيه نظر لأنه يلائم التفسير الأوّل . قوله : ( بخذلانه ) وفي نسخة يخذله ، وهما بمعنى ، وليس هذا مبنيا على مذهب المعتزلة كما يتوهم في بادئ الرأي ، ولو فسرا بخلق الضلال ، والاهتداء كان أظهر ، وأوفق بمذهبنا وقوله يوفقه للهدي إشارة إلى أنّ الهداية بمعنى الدلالة موجودة ،