بالعرض وأن يراد به انقيادهم لأحداث ما أراده منهم شاؤوا ، أو كرهوا وانقياد ظلالهم لتصريفه إياها بالمدّ والتقليص ، وانتصاب طوعا وكرها بالحال أو العلة وقوله :
بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
ظرف ليسجد والمراد بهما الدوام أو حال من الظلال وتخصيص الوقتين لأنّ الامتداد والتقليص أظهر فيهما ، والغدوّ جمع غداة كقنى جمع قناة والآصال جمع أصيل ، وهو ما بين العصر والمغرب ، وقيل الغدوّ مصدر ويؤيده أنه قرىء به والإيصال ، وهو الدخول في الأصيل
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
خالقهما ومتولي أمرهما
قُلِ اللَّهُ
أجب عنهم بذلك إذ لا جواب لهم سواه ولأنه البين الذي لا يمكن المراء فيه ، أو لقنهم الجواب
شرح
ضمهم السيف إلى الإسلام قال قتادة فيسجد كرها فإمّا نفاقا أو يكون الكره ، أوّل حاله فتستمرّ عليه الصفة وإن صح إيمانه بعد ، وقوله بالعرض أي بالتبع ، وهو مقابل للحقيقة أو مندرج فيه كما مرّ . قوله : ( وأن يراد به انقيادهم لإحداث ما أراده الخ ) يعني سجود من ذكر إمّا استعارة للانقياد المذكور أو مجاز مرسل لاستعماله في لازم معناه لأنّ الانقياد مطلقا لازم للسجود ، وشاؤوا بمعنى رضوا ولم يكرهوا ، وتقلص الظل ارتفاعه ونقصه . قوله : ( وانتصاب طوعا وكرها بالحال أو العلة ) أمّا الأوّل فإن قلنا بوقوع المصدر حالا من غير تأويل فهو ظاهر وإلا فهو بتأويل طائعين ، وكارهين وإذا كان علة أي مفعولا لأجله فالكره بمعنى الإكراه ، وهو مصدر من المبني للمفعول ليتحد فأعلاهما كما مرّ تحقيقه ، وعلى قول ابن خروف فهو على ظاهره ، وما قيل عليه من أنّ اعتبار العلية في الكره غير ظاهر فإنّ الكره الذي يقابل الطوع ، وهو الإباء لا يعقل كونه علة للسجود قد مرّ دفعه في قوله خوفا وطمعا فإنّ العلة ما يحمل على الفعل ، أو ما يترتب عليه لا ما يكون غرضا له فتذكره . قوله : ( ظرف ليسجد ) فالباء بمعنى في وهو كثير والمراد بهما الدوام لأنه يذكر مثله للتأبيد فلا يقال لم خصا به ، وإذا كان حالا من الظلال فيصح فيه ذلك أيضا ، أو يقال التخصيص لأنّ امتدادها وتقلصها فيهما أظهر ، وقيل المراد إنّ الامتداد في الآصال أظهر ، والتقلص في الغدوّ أظهر أمّا الأوّل فلأن في الأصيل يزيد الظل في زمان قصير كثيرا ، وأمّا الثاني فلأن نقصانه في زمان قليل كثير . قوله : ( والغدوّ جمع غداة كقنى جمع قناة ) بقاف ، ونون وهي الرمح ومجرى الماء ، والآصال جمع أصيل وأصله أأصال بهمزتين فقلبت الثانية ألفا ، وقراءة الإيصال بكسر الهمزة على أنه مصدر آصلنا بالمدّ أي دخلنا في وقت الأصيل كما قاله ابن جني ، وهي قراءة لابن مجلز شاذة ، وقد اقتصر على الوجه الثاني في سورة النور وسيأتي الكلام عليه هناك ، وقوله خالقهما ومتولي أمرهما لأنّ الرب يكون بمعنى الخالق ، أو بمعنى المربي الذي يتولى أمر من رباه وإليهما أشار المصنف رحمه اللّه .
قوله : ( أجب عنهم بذلك إذ لا جواب لهم سواه الخ ) قد مرّ الكلام في هذا ونكتة مبادرة السائل إلى الجواب ، والجواب عن الخصم ، وقد وجهه المصنف رحمه اللّه هنا بأنه لتعينه للجواب ، ولأنه لا نزاع فيه للمسؤول منه ، والفرق بينهما أنه على الأوّل متعين عقلا سواء كان بينا أو لا ، وعلى الثاني أنه أمر مسلم ظاهر لكل أحد بقطع النظر عن تعينه ، ولهذه المغايرة عطفه فلا وجه