عقبه كأنّ بعضهم يعقب بعضا أو اعتقب فأدغمت التاء في القاف والتاء للمبالغة ، أو لأنّ المراد بالمعقبات جماعات ، وقرىء معاقيب جمع معقب أو معقبة على تعويض الياء من إحدى القافين
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ
من جوانبه أو من الأعمال ما قدّم وأخر
يَحْفَظُونَهُ
شرح
أحدهم يطأ عقب الآخر قال الراغب عقب إذا تلاه نحو دبره وقفاه . قوله : ( كان بعضهم يعقب بعضا ) أي يطأ عقبه وهو مؤخر رجله ، وإنما قال كأنّ لأنه لا وطء ولا عقب ثمة وإن أتى أحدهما بعد الآخر ومن لم يتنبه لمراده قال الظاهر أن يقول فإنّ ولعل وجه ما في الكتاب هو ما روي عنه عليه الصلاة والسّلام إنه قال : كما في البخاري « تتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر » « 1 » يعني أنّ اجتماعهم يقتضي عدم التعاقب فلذا قال كأنّ لأنه لا تعاقب في الحقيقة ، وكذا ما قيل إنه عبر به لعدم جزمه به فإنه كيف يظنّ بالمصنف رحمه اللّه تعالى عدم الجزم بما صرّح به في الصحيحين ، ولك أن تقول إنما لم يجزم بأنه مراد من الآية لأنّ له ملائكة كتبة وحفظة والظاهر تغايرهما . قوله : ( أو لأنهم يعقبون أقواله وأفعاله ) أي يتبعونها ومنه تعقب فلان كلام فلان ، والمراد من التتبع الحفظ بالكتابة ، ولذا عطف عليه قوله فيكتبونه وكان الظاهر فيكتبونها ولكنه أراد ما يصدر منه وما ذكر وهذا معطوف على ما قبله بحسب المعنى .
قوله : ( أو اعتقب ) أي هو من باب الافتعال ، وقوله فأدغمت التاء في القاف تبع فيه الكشاف ، وقد اتفقوا على ردّه بأنّ التاء لا تدغم في القاف من كلمة ، أو كلمتين وقد قال أهل التصريف أنّ القاف والكاف كل منهما يدغم في الآخر ، ولا يدغمان في غيرهما . قوله : ( والتاء للمبالغة ) أي تاء معقبة لأنّ المراد به الملائكة ، وهي غير مؤنثة فتاؤه للمبالغة كما في علامة أو هي صفة جماعة ، ولذا أنثت فمعقبات جمع معقبة مراد به الطائفة منهم . قوله : ( وقرئ معاقيب جمع معقب أو معقبة على تعويض الياء من إحدى القافين ) وفي نسخة من حذف إحدى القافين في التكسير لأنه جمع معقب أو معقبة بتشديد القاف فيهما ، وقال ابن جني إنه تكسير معقب كمطعم ومطاعيم فجمع على معاقبة ، ثم حذفت الهاء من الجمع وعوضت الياء عنها وهذا أظهر وأنسب بالقواعد مما تكلفوه . قوله : ( من جوانبه أو من الأعمال ما قدّم وأخر ) قال المعرب من بين يديه متعلق بمحذوف على أنه صفة معقبات ، ويجوز أن يتعلق بمعقبات ومن لابتداء الغاية ويجوز أن يكون حالا من الضمير في الظرف الواقع خبرا والكلام على هذه الأوجه تمّ عند قوله
هامش
( 1 ) هو شطر حديث أخرجه البخاري 555 - 7429 - 7486 ومسلم 632 والنسائي 1 / 240 - 241 وأحمد 2 / 257 ومالك في « الموطأ » 1 / 170 وابن حبان 1736 - 1737 - 2061 والبغوي 380 كلهم من حديث أبي هريرة ولفظه يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل ، وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ، ثم يعرج الذين باتوا فيكم ، فيسألهم ، وهو أعلم ، كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون :
« تركناهم وهم يصلون ، وأتيناهم وهم يصلون » .