يخيب داعيه ، ولا يدع الملتجىء إليه أو من اللّه بنوع من الإلهام
ما لا تَعْلَمُونَ
من حياة يوسف قيل رأى ملك الموت في المنام فسأله عنه فقال هو حيّ وقيل علم من رؤيا يوسف أنه لا يموت حتى تخرّ له إخوته سجدا
يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ
فتعرفوا منهما وتفحصوا عن حالهما ، والتحسس طلب الإحساس
وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ
ولا تقنطوا من فرجه وتنفيسه وقرىء من روح اللّه أي من رحمته التي يحيي بها العباد
إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ
باللّه وصفاته فإنّ العارف المؤمن لا يقنط من رحمته في شيء من الأحوال
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ
بعد ما رجعوا إلى مصر رجعة ثانية
مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ
شدّة الجوع
وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ
رديئة أو قليلة تردّ وتدفع رغبة
شرح
( من صنعه ورحمته الخ ) ففيه حذف مضاف ، ومن بيانية قدّمت على المبين ، وهو ما وقد جوّزه النحاة ، وعلى الثاني هي ابتدائية ، وقوله وأنه لا يخيب داعيه تفسير للصنع ، وقوله رأى ملك الموت الخ بيان للإلهام ، وقوله علم من رؤيا يوسف وجه آخر ، ويحتمل أنه أيضا من الإلهام ، واعترض على قوله في المنام بأنه باطل رواية ودراية لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يرى الملائكة يقظة فلا حاجة إلى جعله مناما ، وقد أخرج ابن أبي حاتم من النضر رضي اللّه عنه أنه قال بلغني أنّ يعقوب عليه الصلاة والسّلام مكث أربعة وعشرين عاما لا يدري أيوسف عليه الصلاة والسّلام حيّ أم ميت حتى تمثل له ملك الموت عليه الصلاة والسّلام فقال له : من أنت قال : أنا ملك الموت فقال : أنشدك بإله يعقوب هل قبضت روح يوسف قال لا فعند ذلك قال عليه الصلاة والسّلام يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ، وفيه نظر لأنّ مثله إنما يكون برواية . قوله : ( فتعرفوا منهما وتفحصوا عن حالهما الخ ) التحسس تفعل من الحس ، وهو الإدراك بالحاسة وقريب منه التجسس بالجيم ، وقيل إنه بالحاء في الخير وبالجيم في الشر وردّ بأنه قرئ بهما هنا ، وقوله التحسس طلب الإحساس هو أصل معناه والمراد لازمه ، وهو التعرّف ، وذكر التفحص أي التفتيش لأنه طريقه وقيل التحسس طلب الإدراك بالحس مرّة بعد أخرى ، وإنما أمرهم يعقوب عليه الصلاة والسّلام بالتحسس لما رأى في منامه أو أخبره به الملك أو لما تفرس من ذكر إكرامه لهم ، وما هو عليه من أنه ليس من الفراعنة . قوله : ( ولا تقنطوا من فرجه وتنفيسه ) الروح بالفتح أصل معناه النفس كما قاله الراغب ثم استعير للفرج كما قيل له تنفيس من النفس ، وقرئ روح اللّه بالضم ، وفسر بالرحمة على أنه استعارة من معناها المعروف لأنّ الرحمة سبب الحياة كالروح وإضافتها إلى اللّه تعالى لأنها منه ، وقال ابن عطية رحمه اللّه تعالى معناه لا تيأسوا من حيّ معه روح اللّه الذي وهبه فإنّ كلّ من بقيت روحه يرجى وفي غير من قد وارت الأرض مطمع . قوله : ( باللّه وصفاته ) لأنّ سبب اليأس عدم التصديق بالصانع وصفاته الكمالية ، وليس فيه دليل على أنّ اليأس كفر بل هو ثابت بدليل آخر ، وقوله بعد ما رجعوا إلى مصر رجعة ثانية بيان له بحسب الواقع ، وقوله شدّة الجوع هذا أحسن من تفسير الزمخشريّ له بالهزال ، وهذا إشارة إلى مسألة أصولية وهي إلا من مكر اللّه ، واليأس من رحمته كبيرة أو كفر قولان