من الحزن كأنّ العبرة محقت سوادهما ، وقيل ضعف بصره ، وقيل عمي وقرىء من الحزن وفيه دليل على جواز التأسف والبكاء عند التفجع ، ولعل أمثال ذلك لا تدخل تحت التكليف فإنه قلّ من يملك نفسه عند الشدائد ولقد بكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ولده إبراهيم ، وقال القلب يجزع ، والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الربّ ، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون
فَهُوَ كَظِيمٌ
مملوء من الغيظ على أولاده ممسك له في قلبه لا يظهره فعيل بمعنى مفعول كقوله :
وَهُوَ مَكْظُومٌ
[ سورة القلم ، الآية : 48 ] من كظم السقاء إذا شدّه على ملئه أو بمعنى فاعل كقوله ، والكاظمين من كظم الغيظ إذا اجترعه وأصله كظم البعير جرّته إذا ردّها في جوفه
قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ
أي لا تفتأ ولا تزال تذكره تفجعا عليه فحذف لا كما في قوله :
شرح
جعل الحزن في الآية سبب ابيضاض عينه لأنه سبب للبكاء الذي بيضها فأقيم سبب السبب مقامه لظهوره ، وقوله كأنّ العبرة بفتح العين أي الدموع محقت سوادهما يعني أنّ ظاهره أنه نزلت عينه غشاوة بيضتها ، والقول الثاني إنه كناية عن العمى لأنه لازم لذهاب سوادها فلا وجه لما قيل إنه كان حق التعبير فقيل بالفاء لأنه ليس مقابلا لما قبله بل تفصيل له والقول الأخير قيل هو الظاهر لقوله فارتدّ بصيرا ، وقد مرّ الكلام في جواز العمى على الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، وقوله الحزن أي بفتحتين . قوله : ( وفيه دليل على جواز التأسف ) أي الحزن عند التفجع أي المصيبة ، وهو كذلك وإنما المنهيّ عنه النياحة واللطم ، وقوله : « بكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » « 1 » حديث صحيح أخرجه الشيخان عن أنس رضي اللّه عنه ، وقوله مملوء من الغيظ ، وقيل من الحزن فهو فعيل بمعنى مفعول فكأنه مملوء بالغيظ ففيه استعارة مكنية وتخييلية ، وقوله على ملئه أي ملآنا أو هو بمعنى فاعل أي شديد التجرّع للغيظ أو الحزن لأنه لم يشكه إلى أحد قط والجرّة بكسر الجيم ، وتشديد الراء ما يجتره البعير أي يخرجه من جوفه مما أكله أوّلا ليلوكه فكأنه يرده لجوفه مرّة بعد أخرى من غير أن يطلع أحدا عليه وهو استعارة بليغة . قوله : ( لا تفتأ ولا تزال تذكره تفجعا عليه ) القائلون إخوة يوسف عليه الصلاة والسّلام ، وقيل غيرهم من أتباعه واستدلّ به على جواز الحلف بغلبة الظنّ ، وقيل إنهم علموه منه لكنهم نزلوه منزلة المنكر فلذا أكدوه ، وقوله ولا تزال تذكره عطف تفسيريّ مع الإشارة إلى حذف لا وقيل إنه فسره بلا تزال دون لا تفتر كما روي عن مجاهد ، وأوّله الزمخشريّ بأنه جعل الفتوء ، والفتور أخوين أي متلازمين لا أنه بمعناه يعني أنّ فثأ بمعنى فتر وسكن ليس بالمثناة بل هو فثأ بالمثلثة كما في الصحاح من فثأت القدر إذا سكنت غليانها ، والرجل إذا سكنت غضبه ، وهو كما قال أبو حيان تصحيف ، وخطأ ابن مالك فيه وليس كما قال فإن ابن مالك نقله عن الفرّاء ، وقد صرح به السرقسطي في أفعاله ، ولا يمتنع اتفاق مادّتين في معنى ، وهو كثير وقد جمعه ابن مالك رحمه
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 1303 ومسلم روى بعضه 5315 وأبو داود 3126 من حديث أنس .