آية أخرى ولعلهم سألوا ذلك كي يسعفهم إليه فيلزموه
قُلْ ما يَكُونُ لِي
ما يصح لي
أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي
من قبل نفسي ، وهو مصدر استعمل ظرفا ، وإنما اكتفى بالجواب عن التبديل لاستلزام امتناعه امتناع الاتيان بقرآن آخر
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
تعليل لما يكون فإنّ المتبع لغيره في أمر لم يستبدّ بالتصرّف فيه بوجه وجواب للنقض بنسخ بعض الآيات ببعض وردّ لما عرّضوا له بهذا السؤال من أنّ القرآن كلامه واختراعه ، ولذلك قيد
شرح
الشيء ليس تبديلا لذاته بل قريب من تبديل الصفة ، والصورة . قوله : ( ولعلمهم سألوه الخ ) الإسعاف المساعدة بالإجابة إلى ما طلبوه فيلزموه بأنه ليس من عند اللّه بل هو افتراء منه فلذا بدله وغيره كما يريد وليس المراد أنه لو أجابهم آمنوا ، وقوله ما يصح إشارة إلى أن كان تامّة بمعنى وجد ونفي الوجود قد يراد ظاهره ، وقد يراد به نفي الصحة فإنّ وجود ما ليس بصحيح كلا وجود . قوله : ( وهو مصدر استعمل ظرفا ) أي هو مصدر على تفعال بكسر التاء ولم يجئ مصدر بكسرها غير تلقاء وتبيان وإن وقع في الأسماء غيرهما ، وقرئ شاذا بفتح التاء ، وهو القياس في المصادر الدالة على التكرار كالتطواف ، والتحوال ، وقد يستعمل تلقاء بمعنى المقابل ، وأمام فينتصب انتصاب الظروف المكانية ، ويجوز جرّه بمن أيضا فإنها لا تخرج الظرف عن ظرفيته ، ولذا اختصت الظروف الغير المتصرّفة كعند بدخولها عليها فهو هنا كذلك بمعنى من جهتي ومن عندي استعمل في الظرفية المجازية إذ معنى الملاقاة غير مراد هنا فما قيل إن أراد أنه يستعمل ظرفا ولو في موضع آخر فمسلم كتوجهت تلقاءه أي جانبه ، وإن أراد أنه هنا ظرف فممنوع لدخول من عليه لا صحة له . قوله : ( وإنما اكتفى بالجواب عن التبديل ) يعني أنهم اقترحوا عليه أحد أمرين الإتيان بقرآن آخر والتبديل فأجاب عن التبديل فقط بحسب الظاهر لأنّ الإتيان بقرآن آخر غير مقدور عليه فلم يحتج إلى الجواب عنه لأنه إذا لم يكن له التبديل لم يكن له الإتيان بقرآن آخر بطريق الأولى فهو جواب عن الأمرين بحسب المآل ، والحقيقة ، وهم يعلمون أنّ الإتيان بمثله غير مقدور ولكن اقترحوه لما مرّ ولا يصح أن يكون مرادهم الإتيان به من اللّه تعالى بالوحي أيضا لأنه لا يناسب قوله إن اتبع إلا ما يوحي إليّ إني أخاف إن عصيت ربي ، وأمّا كون عصيانه بالاقتراح على اللّه فإنه لا يليق به فخلاف الظاهر الناطق به السياق ، وفي قوله من تلقاء نفسي إشعار بأنه يكون من اللّه وهو كذلك كما وقع في نسخ بعض الآيات كما سيشير إليه ، وأمّا الاعتراض بأنّ قوله من تلقاء نفسي يشعر بأنه مقدور له ، ولكن لا يفعله بغير إذنه تعالى والتبديل بالمعنى الأوّل أي تبديل القرآن بغيره غير مقدور له فليس بوارد لأنّ التبديل المقصود به تبديل البعض بدليل وقوعه في مقابلة الأوّل ، والسكوت عن الأوّل لا يشعر بإمكانه بل يشعر بخلافه فتدبر . قوله : ( تعليل لما يكون الخ ) أي مستأنف لبيان وجه ما ذكره والمستبدّ المستقلّ وقوله : ( وجواب للنقض الخ ) أي أنه جواب لنقض مقدّر ، وهو أنه كيف هذا وقد وقع مثله بالنسخ لبعض الآيات ، واعترض عليه بأنّ قوله من تلقاء نفسي يحصل به جواب النقض فلا حاجة لدفعه بهذا بل الجواب حاصل بالأوّل ، وهذا تعميم بعد