تعلمون ثمة للتصريح بأنّ الإصرار والتمكن فيما هم عليه سبب لذلك ، وحذفها ههنا لأنه جواب سائل قال : فماذا يكون بعد ذلك فهو أبلغ في التهويل
وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ
عطف على من يأتيه لا لأنه قسيم له كقولك : ستعلم الكاذب والصادق ، بل لأنهم لما أوعدوه وكذبوه ، قال : سوف تعلمون من المعذب ، والكاذب مني ومنكم ، وقيل : كان قياسه ومن
شرح
للزمان ، والمعنى اعملوا على غاية تمكنكم واستطاعتكم أو على جهتكم ، وحالكم التي أنتم عليها ، وحاصله اثبتوا على كفركم ، وعداوتكم إني عامل على مكانتي التي كنت عليها من النبات على الإسلام والمصابرة ، ومفعول عامل محذوف أي ما كنت عليه بقرينة ما بعده أو هو منزل منزلة اللازم ، وعلى مكانتكم حال بمعنى قارّين وثابتين ، وقد مرّ الكلام عليه في محله ، وسيأتي في الزمر أيضا . قوله : ( والفاء في فسوف تعلمون ثمة ) أي في سورة الأنعام ذكرت الفاء لأنّ قوله فسوف تعلمون وعيد بالعذاب ، وهو ناشىء ومتفرع على اصرارهم على ما هم عليه ، والتمكن منه عليه الصلاة والسّلام أو منهم في ذلك فلذا ذكر معه الفاء الدالة على ذلك صريحا ، وقوله لذلك أي للجزاء المفاد بقوله سوف تعلمون . قوله : ( وحذفها ههنا لأنه جواب سائل ) والسؤال المقدّر يدلّ على ما دلت عليه الفاء مع الاختصار لفظا وتكثير المعنى مع قلة اللفظ ، والاستئناف يقصد إليه البلغاء لجهات لطيفة ومحاسن عديدة كما ذكره السكاكيّ رحمه اللّه ، وأما اختيار إحدى الطريقين ثمة ، والأخرى هنا وإن كان مثله لا يسأل عنه لأنه دوريّ فلأن أوّل الذكرين يقتضي التصريح فيناسب في الثاني خلافه ، وكونه أبلغ في التهويل للإشعار بأنه مما يسأل عنه ويعتني به . قوله : ( لا لأنه قسيم له كقولك ستعلم الكاذب والصادق الخ ) يعني أنّ ما قبله وهو قوله :اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌوقوله بعده ارتقبوا إني معكم رقيب ذكر فيه حال الفريقين فكان الظاهر أن يجري هذا مجراه فيقال سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو صادق ناج فأشار إلى دفعه بأنه لم يقصد هنا إلى ذكر الفريقين حتى يعطف فيه عطف القسيم على قسميه ، وإنما القصد هنا إلى الردّ عليهم في العزم على تعذيبه بقولهم لرجمناك ، والتصميم على تكذيبه بقولهم أصلواتك تأمرك الخ . فقيل سيظهر لكم من المعذب أنتم أم نحن ومن الكاذب في دعواه أنا أم أنتم فقد أدرج فيه حال الفريقين أيضا كما أشار إليه المصنف رحمه اللّه تعالى بقوله مني ، ومنكم لكن على سبيل الاجمال وحذف المتعلق وهو مني ومنكم ، وذهب صاحب الانتصاف إلى توجيه آخر ، وهو أنه اقتصر فيه على أحد الفريقين ، وأنّ الأمرين جميعا للكفار فقوله من يأتيه عذاب يخزيه فيه ذكر جزائهم ، ومن هو كاذب ذكر جرمهم الذي هو الكذب ، وهو من عطف الصفة ، والموصوف واحد كقولك ستعلم من يهان ، ومن يعاقب فيكون في ذكر كذبهم تعريض لصدقه ، وهو أوقع من التصريح ، ولذلك لم يذكر عاقبة شعيب عليه الصلاة والسّلام استغناء بذكر عاقبتهم ، وقد مرّ مثله كقوله في هذه السورة :فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌفلم يذكر القسم الآخر وله نظائر أخر ، والفرق بين مسلكه ، ومسلك المصنف رحمه اللّه تعالى أنه في مسلكه اقتصر على أحد الفريقين