وأخذ يجادلهم من وراء الباب فتسوّروا الجدار فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب
قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ
لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارنا فهوّن عليك ، ودعنا وإياهم فخلاهم أن يدخلوا فضرب جبريل عليه السّلام بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم فخرجوا يقولون النجاء النجاء فإن في بيت لوط سحرة
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ
بالقطع من الإسراء ، وقرأ ابن كثير ونافع بالوصل حيث وقع في القرآن من السرى
بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ
بطائفة منه
وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ
ولا يتخلف أو لا ينظر إلى ورائه ، والنهي
شرح
أي ارتفع ، وقيل : أو بمعنى بل ولم يجعل بمعنى إلى لأنه غير مناسب معنى لأنه على التنزل من قوّة نفسه إلى نصرة الغير . قوله : ( فتسوّروا الجدار ) أي علوه ونزلوا منه ، والكرب الحزن والخوف وجعل قوله قالوا في النظم مقدرا في كلامه للاقتباس كما مرّ وقوله لن يصلوا إلى إضرارك الخ فسره به لأنه مقتضى المقام ، وقوله : فضرب جبريل عليه السّلام بجناحه أي فعاد إلى صورته الملكية فضرب الخ « 1 » فالفاء فصيحة ، وقيل إنه مسح بيده وجوههم فعموا من غير عود إلى صورته الأصلية ، وقوله : وأعماهم عطف تفسيري ، وقوله : النجاء النجاء أي انجوا بأنفسكم وهو مصدر منصوب بفعل مضمر وتكراره للتأكيد ، وهو ممدود ومقصور . قوله :
( بالقطع من الإسراء ) وقراءة نافع وابن كثير بهمزة الوصل والباقين بالقطع فإنه يقال سرى وأسرى وهما بمعنى واحد وهو قول أبي عبيد ، وقيل أسرى لأوّل الليل وسرى لآخره ، وهو قول الليث وسار قيل إنه مخصوص بالنهار ، وليس مقلوب سرى والسرى بضم السين مصدر سري ، وباء بأهلك للملابسة أو التعدية ، وفسر القطع بطائفة من الليل ، وقيل من ظلمته وقيل في آخره . قوله : ( ولا يتخلف أو لا ينظر إلى ورائه ) بالمعنى الثاني هو المشهور الحقيقي ، وأمّا الأوّل فلأنه يقال لفته عن الأمر إذا صرفته عنه فالتفت أي انصرف ، والتخلف انصراف عن المسير قال تعالى :أَ جِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِناأي تصرفنا كذا قاله الراغب : وفي الأساس إنه معنى مجازي . قوله : ( والنهي في اللفظ لأحد الخ ) هذا منقول عن المبرد يعني أنّ معناه لا تدع أحدا منهم يلتفت كقولك لخادمك لا يقم أحد النهي لأحد ، وهو في الحقيقة للخادم أن لا يدع أحدا يقوم فالمعنى لا تدع أحدا يلتفت إلا امرأتك فدعها تلتفت ، وبهذا تمت المناسبة بينه وبين المعطوف عليه لأنه لأمره ، وهذا لنهيه ، وهو دفع لما أورده أبو عبيد من أنه يلزم أنهم نهوا عن الالتفات إلا أمر أنه فإنها لم تنه عنه وهو لا يستقيم ، ولو كانت نافية والفعل مرفوعا استقام قيل وفيه إنّ المحذور وارد على هذا هو أو ما يقرب منه ، وفيه نظر فإنه لا محذور هنا حتى يحتاج إلى دفعه فتأمّل ، ومن لم يقف على هذا قال لو قال والنهي للوط صلّى اللّه عليه وسلّم ومن معه كان أولى ( وها هنا لطيفة ) وهو أنّ المتأخرين من أهل البديع اخترعوا نوعا من البديع سموه تسمية النوع ، وهو أن يؤتى بشيء من البديع ويذكر اسمه على سبيل التورية كقوله في البديعية في الاستخدام :
هامش
( 1 ) أخرجه الحاكم 2 / 344 - 345 عن ابن عباس وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي .