وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ
بين نوح وابنه أو بين ابنه والجبل
فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ
فصار من المهلكين بالماء
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
نوديا بما ينادى به أولو العلم .
وأمرا بما يؤمرون به تمثيلا لكمال قدرته ، وانقيادهما لما يشاء تكوينه فيهما بالأمر المطاع ، الذي يأمر المنقاد لحكمه المبادر إلى امتثال أمره ، مهابة من عظمته وخشية من أليم عقابه ،
شرح
اليوم أحدا أو لأحد إلا من رحمه اللّه ، أو لمن رحمه اللّه وعده بعضهم أقربها ، وعلى ما ذكرنا ينزل كلام المصنف رحمه اللّه تعالى في الاقتصار على بعضها ، وقوله : وهم المؤمنون تفسيران لا للمكان لأنه السفينة ، وقوله ردّ بذلك الخ إشارة إلى الترجيح السابق ، وقوله : اللائذ به جمع لائذ مضاف للضمير ، أي اللائذين به ، وقوله لاذا عصمة ذو العصمة يشمل العاصم والمعصوم ، والمراد هنا المعصوم فهو مصدر عصم المبنى للمفعول ، فإن قيل على أنّ التقدير لا عاصم إلا مكان من رحمه اللّه ، يكون المعنى لا عاصم من أمر اللّه إلا المكان ، فيقتضي أن المكان يعصم ويمنع من أمر اللّه وقضائه ، وهو غير صحيح لأنه لا رادّ لأمره ولا معقب لحكمه ، قلت أجيب بأنّ المراد بأمر اللّه بلاؤه وهو الطوفان ، وبهذا الاعتبار صح الاستثناء فتأمّل . قوله : ( بين نوح عليه الصلاة والسّلام وابنه ) فلم يصل إلى السفينة لينجو ، أو بينه وبين الجبل فلم يتيسر له الصعود فلم ينج أيضا لزعمه أنّ الماء لا يصل إليه وتفريع فكان الخ على هذا لا ينافي قوله : لا عاصم لأنّ المراد فكان من غير مهلة أو هو بناء على ظنه . قوله : ( نوديا بما ينادى به أولو العلم الخ ) هذه الآية حوت من البلاغة أمرا عجيبا ترقص الرؤوس له طربا ، قال في الكشاف : نداء الأرض والسماء بما ينادى به الحيوان المميز على لفظ التخصيص ، والإقبال عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات ، وهو قوله : ( يا أرض ويا سماء ) ثم أمرهما بما يؤمر به أهل التمييز والعقل ، من قوله : ( أبلعي ماءك وأقلعي ) من الدلالة على الاقتدار العظيم ، فإنّ السماوات والأرض وهذه الأجرام العظام منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة عليه ، كأنها عقلاء مميزون ، قد عرفوا عظمته وجلالته وثوابه وعقابه وقدرته على كل مقدور ، وتبينوا تحتم طاعته عليهم وانقيادهم له وهم يهابونه ويفزعون من التوقف دون الامتثال له ، والنزول على مشيئته على الفور من غير ريث الخ . قيل : عنى أنه شبه الأرض والسماء بالعقلاء المميزين على الاستعارة المكنية ، والنداء استعارة تخييلية وهي قرينتها ، ثم رشحت بالأمر والبلغ لاختصاصه بالحيوان ، لأنه إدخال الطعام في الحلق بالقوّة الجاذبة ، فهو ترشيح على ترشيح ، وأمّا الاقلاع فلا تجريد فيه ولا ترشيح ، لاشتراكه بين الحيوان وغيره ، يقال : أقلعت السماء إذا لم تمطر ، وخالفه غيره فقال : إنه تجريد لاشتهاره في السماء والمطر ، قال : وإنما اختير الترشيح في جانب الأرض ، والتجريد في السماء ، لأنّ إذهاب الماء كان مطلوبا أوّليا وليس للسماء فيه سوى الامساك ، فقيل : أقلعي والأرض هي التي تقبل الاذهاب المطلوب ، وقيل : إنه وهم لأنّ تفسيرهم له بالامساك ينافيه فتأمّل . قوله : ( تمثيلا لكمال قدرته الخ ) قيل مراده ما مرّ من الاستعارة المكنية والتخييلية ، مع ما يصحبه من لطائف البلاغة ، وهو تمثيل