تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
أنّ هؤلاء اتبعوني بادىء الرأي من غير بصيرة ، ولا عقد قلب ، وعلى الثاني يجوز عطفه على أقول
وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ
حتى تقولوا : ما أنت إلا بشر مثلنا
وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ
ولا أقول في شأن من استرذلتموهم لفقرهم
لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً
فإنّ ما أعدّ اللّه لهم في الآخرة خير مما آتاكم في الدنيا
اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ
إن قلت شيئا من ذلك والازدراء به افتعال من زري عليه إذا عابه قلبت تاؤه دالا
شرح
النبوّة والإنذار بالعذاب ، فإنه بإعلام اللّه ووحيه ، والغيب ما لم يوح به ، ولم يقم عليه دليل ، وليس هذا كذلك ، وقيل : إنه غير ملائم للمقام ، والظاهر أنه صلّى اللّه عليه وسلّم حين ادّعى النبوّة سألوه عن المغيبات وقالوا له : إن كنت صادقا فأخبرنا عنها فقال : أنا أدّعي النبوّة بآية من ربي ، ولا أعلم الغيب إلا بإعلامه ، ولا يلزم أن يذكر ذلك في النظم ، كما أنّ سؤال طردهم كذلك ، ولا يخفى عليك أنه لا قرينة تدلّ على ما ذكره ، وأمّا طردهم فإنّ استحقارهم لهم قرينة على ذلك ، وقد صرّح به السلف رحمهم اللّه ، ومثله لا يقال من قبل الرأي . قوله : ( أو حتى أعلم أنّ هؤلاء اتبعوني بادىء الرأي من غير بصيرة ولا عقد قلب ) قيل : ظاهره أنّ المراد أنهم آمنوا نفاقا فعلى هذا يكون المراد من قولهم بادي الرأي بادي رأي من يراهم ، ولم يذكر هذا الاحتمال ، ويجوز أن يكون المراد عقدا جازما ثابتا كأنّ ما سواه ليس بعقد ، وردّ بأنّ المراد بالبصيرة وعقد القلب اليقين ، والاعتقاد الجازم ، وهو شامل للوجهين في بادىء الرأي لا مغاير لهما ، كما توهمه هذا القائل ، ولا يخفى أنّ هذا صيد من المقلي ، فإنه الوجه الثاني الذي ذكره بقوله ويجوز الخ وما ذكره أوّلا بناء على الظاهر من عقد القلب ، فإنّ ربط القلب بالشيء اعتقاد له ، وعدمه هو النفاق ، ولا شك أنه لم يسبق له ذكر . قوله : ( وعلى الثاني يجوز عطفه على أقول ) كما يجوز عطفه على المقول ، وأمّا على التفسير الأوّل فيتعين الثاني ، وفيه نظر . قوله : ( حتى تقولوا ما أنت إلا بشر مثلنا ) لا يخفى أنّ هذا مبنيّ على الوجه الثاني المذكور في الكشاف في تفسير قوله :ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا[ سورة هود ، الآية : 27 ] وقد مرّ أنّ المصنف رحمه اللّه تعالى لم يعرّج عليه ، ولم يرتضه لابتنائه على الاعتزال ، ومنه تعلم ما في الكشف من النزاع في الابتناء ، فإنه إنما فسره به لاقتضاء النظم له وتوصيفه هنا بالبشرية صريح فيه ، إلا أن يقال قوله سابقا لا مزية لك علينا ، شامل للوجهين ، فإنّ المزية المقتضية لوجوب طاعته ، بأن يجوز كمالات جنسهم ، أو بأن يكون من جنس آخر أفضل منهم ، ولا مانع من ذلك في كلامه ، فهذا يعين إرادته فيما مر ، وأما جعل هذا كلاما آخر وليس ردّا لما قالوه سابقا فلا وجه له . قوله : ( في شأن من استرذلتموهم ) إشارة إلى أنّ اللام ليست للتبليغ بل للأجل ، وإلا لقيل لن يؤتيكم ، وأنّ الإسناد للأعين مجاز كما سيأتي ، وأنّ العائد محذوف ، وأنّ الازدراء وقع ، والتعبير بالمضارع للاستمرار أو لحكاية الحال ، وقوله : فإن ما أعدّ اللّه الخ ولا يبعد أن يراد به خير الدنيا والآخرة ، إذ المال غاد ورائح ، وقد أورثهم اللّه أرضهم وديارهم بعد غرقهم ، وقوله : إن قلت تفسير لإذا لأنها جواب وجزاء كما مرّ ، وقوله : لتجانس الراء في الجهر فإنّ التاء مهموسة .