المتابعة
بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ
إياك في دعوى النبوّة ، وإياهم في دعوى العلم بصدقك ، فغلب المخاطب على الغائبين
قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ
أخبروني
إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي
حجة شاهدة بصحة دعواي
وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ
بإيتاء البينة أو النبوّة
فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ
فخفيت عليكم ، فلم تهدكم وتوحيد الضمير ، لأنّ البينة في نفسها هي الرحمة ، ولأنّ خفاءها يوجب خفاء النبوّة ، أو على تقدير فعميت بعد البينة ، وحذفها للاختصار ، أو لأنه لكلّ واحدة منهما وقرأ حمزة والكسائيّ وحفص فعميت أي أخفيت ، وقرىء فعماها على
شرح
لسرعة اتباعهم وزعمهم أنّ ذلك وقع منهم من غير تأمّل أو لفقرهم لأنهم لا يعرفون إلا الشرف الظاهر من أمور الدنيا ، وهذا هو الوجه والأحظ الأكثر حظا وقوله : لك ولمتبعيك أدخل نوحا عليه الصلاة والسّلام معهم لأنّ الخطاب أوّلا معه فيكون تأكيدا لنفي الأفضلية عنه لسبقه في قوله ما نراك وهو تغليب ، وقيل الخطاب لاتباعه فقط فيكون التفاتا ويؤهلكم بمعنى يجعلكم أهلا لذلك وإياك وإياهم بدل من مفعول نظنكم في النظم ، وقوله فغلب أي في الموضعين وقوله أخبروني تقدّم تحقيقه ، وأنّ الرؤية فيه يجوز أن تكون بصرية ، وقلبية وقد جوّزهما الزمخشريّ لأنّ كلا منهما سبب للأخبار ، وأرأيتم متعلق بأنلزمكموها ، وقيل بطلب البينة يعني على أن يكون من التنازع هنا ، وأعمل الثاني فلا وجه لما قيل إنّ هذا بحسب الأصل ، وأمّا هنا فهو متعلق بأنلزمكموها لأنّ القائل بهذا يجعلها جملة مستأنفة أو مفعولا ثانيا كما صرّحوا به ، وجواب إن كنت محذوف أي فأخبروني ، وفسر البينة بالحجة ، والبرهان كما مرّ ، وقوله بايتاء البينة أي السابقة ، والمراد البينة : المؤتاة فهو من إضافة الصفة للموصوف كما ستراه في توجيه توحيد الضمير ، والحجة المعجزة الدالة على نبوّته صلّى اللّه عليه وسلّم . قوله : ( فخفيت عليكم فلم تهدكم الخ ) يعني أنّ عماء الدليل بمعنى خفائه مجازا فيقال حجة عمياء كما يقال مبصرة للواضحة وهو استعارة تبعية شبه خفاء الدليل بالعمى فإنّ كلا منهما يمنع الوصول إلى المقاصد ويجوز أن يكون استعارة تمثيلية بأنّ شبه الذي لا يهتدي بالحجة لخفائها عليه بمن سلك مفازة لا يعرف طرقها ، واتبع دليلا أعمى فيها ، والظاهر من عبارة المصنف الأوّل ، وأمّا ادعاء القلب ، وأنّ أصله عميتم عنها فيأباه ذكر على دون عن مع أنه ليس بحسن هنا . قوله : ( وتوحيد الضمير لأنّ البينة الخ ) لما ذكر البينة والرحمة كان الظاهر فعميتا فوجهوه بأنّ الرحمة هنا هي البينة على تفسيره الأوّل بإيتاء البينة أي البينة المؤتاة كما مرّ أو هو تفسير لقوله :وَآتانِي رَحْمَةًلكنه عبر بالمصدر أو الضمير للبينة أي المعجزة ، والرحمة النبوّة وخفاؤها أي البينة يستلزم خفاء المدّعي فلذا اكتفى به وجملة ، وآتاني رحمة على هذا معترضة أو الضمير للرحمة ، وفي الكلام مقدّر أي خفيت الرحمة بعد خفاء البينة ، وما يدلّ عليها وحذف هذا للاختصار ، وقيل : إنه معترض في المعنى دون تقدير ، وكلام المصنف رحمه اللّه تعالى ظاهر في الأوّل أو الضمير لهما بتأويل كلّ واحدة منهما ، وفي الكشاف وجه آخر وهو أن يقدّر عميت بعد لفظ البينة وحذف للاختصار ، وعدل عنه المصنف رحمه اللّه تعالى لأنه رآه مع أنه تقدير جملة ، وهذا مفرد تقديرا