من عنده وأنّ ما دعاكم إليه من التوحيد حق ، فهل أنتم داخلون في الإسلام بعد قيام الحجة القاطعة ، وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من معنى الطلب ، والتنبيه على قيام الموجب وزوال العذر
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها
بإحسانه وبرّه
نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها
نوصل إليهم جزاء أعمالهم في الدنيا من الصحة والرياسة وسعة الرزق ، وكثرة الأولاد وقرئ يوف بالياء أي يوف اللّه ويوف على البناء للمفعول ، ونوف بالتخفيف
شرح
عجزهم . قوله : ( أنه نظم لا يعلمه إلا اللّه الخ ) أي لا يحيط بما فيه من البطون والمزايا إلا هو ، وما دعاهم إليه من التوحيد يعلم لثبوت نبوّته صلّى اللّه عليه وسلّم بالمعجزة ، وقوله وفي مثل هذا الاستفهام أي الاستفهام بهل فإنها لطلب التصديق ، وترتبه بالفاء على ما قبله يقتضي وجوبه من غير مهلة بشهادة التعبير بمسلمون دون تسلمون ، والتنبيه المذكور من الفاء في قوله فهل ، وظاهر كلامه يشير إلى ترجيحه كما في الكشاف لأنّ الكلام بحسبه ملتئم موافق لما قبله لأنّ ضمير الجمع في الآية المتقدّمة للكفار ، والضمير في هذه الآية ضمير الجمع فليكن للكفار أيضا ولأنّ الكفار أقرب المذكورين فرجوع الضمير إليهم أولى ، ولأنّ الحمل على المؤمنين يحتاج إلى تأويل العلم ، والإسلام بالدوام ، والخلوص بخلافه على هذا ، ويمكن جعله راجعا إليهما بأن يكون المراد إيجاب الدوام ، والخلوص ، وزوال العذر عن تركه ، وقوله بإحسانه الضمير راجع لمن أي من يريد بإحسانه الدنيا أو الرياء ، ولم يخلصه لوجه اللّه ، وإنما قدّر ذلك لاقتضاء السياق ، ولأنه لو أريد ظاهره لم يكن بين الشرط ، والجزاء ارتباط لأنه ليس كلّ من تلذذ بالدنيا كذلك .
قوله : ( نوصل إليهم جزاء أعمالهم ) يعني أنّ في الكلام مضافا مقدّرا أو الأعمال عبارة عن الجزاء مجازا والأوّل أولى ووفى يتعدّى بنفسه فتعديه بإلى إمّا لتضمنه معنى نوصل أو لكونه مجازا عنه ، والظاهر من كلامه الثاني لأنه لو أراد الأوّل قال نوصله إليهم ، وافيا كما في الكشاف ، وقوله من الصحة الخ إشارة إلى ما سيأتي من احتمال من للوجوه الآتية ، وقوله والرياسة هو ناظر إلى كونه في المرائين كما فسره الزمخشريّ بقوله فعلت ليقال كذا وكذا ، وقد قيل فليس مخالفا له كما قيل ، وقوله ونوفي بالتخفيف أي من باب الأفعال بإثبات الياء إمّا على لغة من يجزم المنقوص بحذف الحركة المقدّرة كما في قوله :ألم يأتيك والأنباء تنميأو على ما سمع في كلام العرب إذا كان الشرط ماضيا من عدم جزم الجزاء إمّا لأنها لما لم تعمل في الشرط القريب ضعفت عن العمل في الجزاء فتعمل في محله دون لفظه ، ونقل عن عبد القاهر أنها لا تعمل فيه أصلا لضعفها ، والذي نقله المعرب أنّ للنحاة فيه مذهبين منهم من قال إنه في نية التقديم ، ومنهم من قال إنه على تقدير الفاء ، ويمكن أن يردّ ذلك إلى هذا ، وليس مخصوصا بما إذا كان الشرط كان على الصحيح وأمّا قراءة الجزم فظاهرة وما نقل عن الفرّاء من أنّ كان زائدة فيها كأنه أراد أنها غير لازمة في المعنى فقدّر إقحامها ليكون الشرط