أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ
أي قبلك ، ومن زائدة ،
فَأَخَذْناهُمْ
أي فكفروا وكذبوا المرسلين فأخذناهم
بِالْبَأْساءِ
بالشدّة والفقر
وَالضَّرَّاءِ
الضرّ والآفات ، وهما صيغتا تأنيث لا مذكر لهما
لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ
يتذللون لنا ويتوبون عن ذنوبهم
فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا
معناه نفي تضرّعهم في ذلك الوقت مع قيام ما يدعوهم أي لم يتضرّعوا
وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
استدراك على المعنى ، وبيان للصارف لهم عن
شرح
ابتدائية ورجحه بعض النحاة . قوله : ( لما ركز في النقول الخ ) أي لأجل ذكر اللّه أو دعائه المركوز في العقول أو لمركوزية اللّه تعالى في العقول على هذه الصفة أو لمركوزية ذكره بناء على هذا ، وعلى هذين فما مصدرية ، وقوله : على أنه القادر الظاهر من أنه القادر . قوله :
( فكفروا وكذبوا ) فالفاء فصيحة والزمخشري قدّر كذبوا فقط وهو أولى ، وقوله : صيغتا تأنيث لا مذكر لهما أي لا مذكر لهما على أفعل كأحمر وحمراء كما هو القياس فإنه لم يقل أضرّ وأبأس صفة بل للتفضيل فإنّ البأس والضرّ مصدران وقوله يتذللون تفسير له لأنه من الضراعة وهي التذلل وعند المصائر يخشع المرء ويلين قلبه . قوله : ( معناه نفي تضرّعهم ) ذهب الهروي إلى أن لولا تكون نافية حقيقة بمنزلة لم وجعل منه فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها الأقوم يونس والجمهور حملوه على التوبيخ والتنديم ، وهو بعيد الترك وعدم الوقوع ولذا ظهر الاستدراك والعطف بلكن فيفيد إنهم لا عذر لهم فيه وإليه أشار المصنف بقوله مع قيام ما يدعوهم وليست لولا هنا تحضيضية ، كما توهم لأنها تختص بالمضارع وهو معنى آخر غير التوبيخ كما في المغني . قيل ولو قال وعدم المانع لكان أولى لأنّ مجرّد وجود الداعي بدون عدم المانع غير كاف لاستحقاق التوبيخ . قوله : ( أي لم يتضرّعوا ولكن الخ ) قيل لأنه لما كان التضرّع ناشئا من لين القلب كان نفيه نفيه ، وقيل كان الظاهر أن يقال لكن يجب عليهم التضرّع فعدل إلى ما ذكر لأنّ قساوة القلب التي هي المانع تشعر بأنّ عليهم ما ذكر فكأنه قيل لكن يجب التضرّع ، وقيل إنما حمل على قصد النفي دون التنديم ليحسن الاستدراك ، وهذا معنى قوله استدراك على المعنى وقوله ولم يتعظوا بيان للمراد من النسيان هنا . قوله تعالى :وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَفإن قلت قد أسند اللّه هنا التزيين إلى الشيطان وأسنده إلى نفسه في قوله وكذلك زينا لكل أمّة عملهم ، فهل هو حقيقة فيهما أو في أحدهما قلت وقع التزيين في النظم في مواضع كثيرة ، فتارة أسنده إلى الشيطان كالآية الأولى وتارة إلى نفسه كالثانية وتارة إلى البشر كقوله :زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ[ سورة الأنعام ، الآية :
137 ] في قراءة ، وتارة مجهولا غير مذكور فاعله كقوله :زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ[ سورة يونس ، الآية :
12 ] لأنّ التزيين له معان يشهد بها الاستعمال واللغة أحدها إيجاد الشيء حسنا مزينا في نفس الأمر كقوله :زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا[ سورة الصافات ، الآية : 6 ] والثاني جعله مزينا من غير إيجاد كتزيين الماشطة العروس ، والثالث جعله محبوبا للنفس مشتهى للطبع وإن لم يكن في نفسه كذلك فهذا إن كان بمعنى خلق الميل في النفس والطبع لا يسند إلا إلى اللّه كقوله :إِنَّ الَّذِينَ