الجحود معنى التكذيب ، روي أنّ أبا جهل كان يقول : ما نكذبك ، وإنك عندنا لصادق ، وإنما نكذب ما جئتنا به فنزلت
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ
تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفيه دليل على أنّ قوله : لا يكذبونك ليس ينفي تكذيبه مطلقا
فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا
على تكذيبهم وإيذائهم فتأسّ بهم وأصبر
حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا
فيه إيماء بوعد النصر للصابرين
وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
لمواعيده من قوله
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ
[ سورة
شرح
وبحقه ، وكذب وأكذب معنى عند الجمهور وقال الكسائي : العرب تقول كذبته بالتشديد إذا نسبت الكذب إليه وأكذبته إذا نسبت الكذب إلى ما جاء به دونه ، ويقولون أيضا أكذبته إذا وجدته كاذبا كأحمدته إذا وجدته محمودا ، وإليه أشار المصنف رحمه اللّه وقوله : ( روي أنّ أبا جهل الخ ) هذا الحديث « 1 » أخرجه الترمذي والحاكم عن عليّ كرم اللّه وجهه وصححاه ، وهذا إشارة إلى وجه آخر كما في الكشاف وهو الذي حمل الكسائيّ على تفسيره السابق وقيل ليس هذا إشارة إلى وجه وذاك إلى آخر كما يوهمه النظر في الكشاف وإلا فالوجه إيراده بالواو ، وحاصل المعنى أنهم لا يكذبونك في نفس الأمر لأنهم يقولون إنك صادق ولكن يتوهمون أنه اعترى عقلك نوع خلل فخيل إليك أنك نبي وليس الأمر بذاك وما جئت به ليس بحق ، أو مراده كما قال الطيبيّ رحمه اللّه : إنك لا تكذب لأنك الصادق الأمين ولكن ما جئت به سحر ، ومنه علم جواب ما مرّ عن علم الهدى المرتضى . قوله : ( للدّلالة الخ ) الظاهر أنّ مراده أنّ الظلم إمّا مطلق فيفيد أنّ الظلم دأبهم وديدنهم وأنه علة الجحود لأنّ التعليق بالمشتق يفيد علية المأخذ كما يفهم من قولك الجواد يقري الضيف أنّ سبب قراه الجود ، وإن أريد ظلمهم المخصوص فهو غير الجحود وواقع به نحو ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فيكون المبتدأ مشيرا إلى وجه بناء الخبر كقوله :إن الذي سمك السماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعز وأطولوقيل إنه يشير إلى أن اللام إمّا موصولة واسم الفاعل بمعنى الحدوث فيفيد الكلام سببية الجحد للظلم أو حرف تعريف واسم الفاعل بمعنى الثبوت فيفيد سببية الظلم للجعد انتهى وفيه نظر . قوله : ( وفيه دليل الخ ) كما صرّح به في الآية الأخرى وهي وأن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك فما هنا كقول السيد لغلامه إذا أهين أنهم لم يهينوك وإنما أهانوني ، وهذا يبين معنى قوله في الحقيقة السابق وليس وجها آخر كما توهم ، وقيل المراد بقوله : لا يكذبونك في السر وقوله على تكذيبهم وإيذائهم إشارة إلى أنّ ما مصدرية وأو ذوا عطف على كذبت أو كذبوا أو على صبروا ، والإيذاء بصيغة الأفعال بمعنى الأذى أثبته الراغب وصاحب المصباح المنير ،
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي 3064 والحاكم 2 / 315 من حديث علي وقال الترمذي : وروي عن ناحية أن أبا جهل قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر نحوه ، ولم يذكر فيه عن عليّ ، وهذا أصح اه باختصار . وصححه الحاكم على شرط الشيخين وقال الذهبي : ما خرجنا لناجية شيئا اه .