الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
ولكنهم يجحدون بآيات اللّه ويكذبونها . فوضع الظالمين موضع الضمير للدّلالة على أنهم ظلموا بجحودهم ، أو جحدوا لتمرّنهم على الظلم ، والباء لتضمين
شرح
تكذيبا للّه تسلية لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، الثاني أن المراد نفي التكذيب القلبي وإثبات اللساني ، الثالث أنهم ليس قصدهم تكذيبك لأنك عندهم موسوم بالصدق وإنما يقصدون تكذيبي والجحود بآياتي ، وهذا الوجه حكاه الكسائي وردّه الشريف المرتضى بأنه لا يجوز أن يصدّقوه في نفسه ، ويكذبوا ما أتى به لأنّ من المعلوم أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يشهد بصحة ما أتى به وصدقه وأنه الدين القيم والحق الذي لا يجوز العدول عنه فكيف يجوز أن يكون صداقا في خبره ويكون الذي أتى به فاسدا بل إن كان صادقا فالذي أتى به صحيح وإن كان الذي أتى به فاسدا فلا بد أن يكون كاذبا فيه ، وهذا تأويل من لم يحقق المعاني وسيأتي ما يؤخذ منه جوابه فتدبر وقيل إنهم لا يكذبونك فيما وافق كتبهم وإن كذبوك في غيره وقيل جميعهم لا يكذبونك وإن كذبك بعضهم وهم الظالمون المذكورون في هذه الآية فلا يكون من وضع الظاهر موضع المضمر وقيل لا يكذبونك كذبا ضارّا لك وقال الطيبيّ الوجه هو الأوّل لقوله :وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ[ سورة الأنعام ، الآية : 34 ] فإنه تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم فلا يناسب الوجهين الأخيرين ، وفيه نظر وقوله في الحقيقة في شرح الهداية هذه العبارة تستعمل عند المحصلين فيما إذا دلّ لفظ بظاهره على معنى إذا نظر إليه يؤول إلى معنى آخر ، والمراد بقوله في الحقيقة أنّ تكذيبهم إنما هو لي فهو كما في الوجه الثالث ويكون ما روي مؤيدا له لا وجها آخر وإن كان معناه لا يعتقدون كذبك في الباطن فهو جواب آخر وكلامه محتمل لهما كما سيأتي بل ربما ينزل على الوجوه كلها ويكون هذا من إيجازه البديع كما هو عادته ، وقوله : ( روي الخ ) تأييد لما في ضمنه فإن حمل على ظاهره يكون اقتصر على أحد الأجوبة لأنّ بعضها الأخر غير مرضيّ له أو غير مغاير له من كل الوجوه ففيه ردّ على الكشاف وسلوك طريق آخر وهو الظاهر فكلامه محتمل لوجوه من التخريج فتدبر ، والفاء للتعليل فإنّ قوله قد نعلم الخ بمعنى لا تحزن كما يقال في مقام المنع والزجر نعلم ما تفعل ، ووجه التعليل في تسليته له صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّ التكذيب في الحقيقة لي وأنا الحليم الصبور فتخلق بأخلاقي ، ويحتمل أن يكون المعنى إنه يحزنك قولهم لأنه تكذيب لي فأنت لم تحزن لنفسك بل لما هو أهمّ وأعظم . قوله : ( يجحدون بآيات اللّه ويكذبونها ) وفي نسخة يكذبونه والجحد كالجحود نفي ما في القلب ثباته أو إثبات ما في القلب نفيه ، وقيل : الجحد إنكار المعرفة ، فليس مرادفا للنفي من كل وجه وقدّر التضمين بالعطف ، وهو أحد طرقه كما قدّروه في الرفث إلى نسائكم بالرفث والإفضاء وليس طريقة منحصرة في الحالية ، كما يتوهم وقد مرّ تحقيقه لكنه كان الأظهر أن يقول ويكذبون بها كما في بعض النسخ ، ألا ترى إلى قوله والباء لتضمين الجحود معنى التكذيب ولذا قيل حق التعبير ولكنهم يجحدون آياتنا مكذبين بها لتعدّي الجحد بنفسه ، وكون المضمر حالا صلته الباء وليس متعينا كما عرفت ، وقيل عليه أيضا أنّ الجحد يتعدّى بنفسه وبالباء كالتكذيب وهو ظاهر كلام الجوهري ، والراغب فإنه قال يقال جحده حقه