بَغْتَةً
فجأة ونصبها على الحال أو المصدر فإنها نوع من المجيء
قالُوا يا حَسْرَتَنا
أي
شرح
قال ابن السيد في شرحه : هذا منظوم مما روي عن عليّ رضي اللّه عنه أنه قال لبعض من تشكك في البعث والآخرة إن كان الأمر كما تقول من أنه لا قيامة فقد تخلصنا جميعا وإن لم يكن الأمر كما تقول فقد تخلصنا ، وهلكت فذكروا أنه ألزمه فرجع عن اعتقاده ، وهذا الكلام وإن خرج مخرج الشك فإنما هو تقرير للمخاطب على خطابه وقلة أخذه بالنظر والاحتياط لنفسه مع أنّ المناظر على ثقة من أمره ، وهو نوع من أنواع الجدل ، وقوله إليكما كلمة يراد بها الردع والزجر ومعناها كفا عما تقولان وحقيقته قولكما مصروف لكما لا حاجة لي به انتهى ومن له معرفة بقرض الشعر يعلم أنه شعر مولد .
تنبيه : هذا النوع يسمى استدراجا قال في المثل السائر الاستدراج نوع من البلاغة استخرجته من كتاب اللّه تعالى وهو مخادعات الأقوال التي تقوم مقام مخادعات الأفعال يستدرج الخصم حتى ينقاد ويذعن وهو قريب من المغالطة وليس منها كقوله تعالى :أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ[ سورة غافر ، الآية : 28 ] ألا ترى لطف احتجاجه على طريقة التقسيم بقوله إن يك كاذبا فكذبه عائد عليه ، وأن يصدق يصبكم بعض ما وعدكم به ففيه من الإنصاف والأدب ما لا يخفى فإنه نبي صادق فلا بدّ أن يصيبهم كل ما وعد به لا بعضه لكنه أتى بما هو أذعن لتسليمهم وتصديقهم لما فيه من الملاطفة في النصح بكلام منصف غير مشتط مشدّد أراهم إنه لم يعطه حقه ولم يتعصب له ويحامي عنه حتى لا ينفروا عنه ولذا قدّم قوله كاذبا ثم ختم بقوله إنّ اللّه لا يهدي الخ يعني أنه نبيّ على الهدى ولو لم يكن كذلك ما آتاه اللّه النبوّة وعضده ، وفيه من خداع الخصم واستدراجه ما لا يخفى انتهى . قوله : ( لأن خسرانهم لا غاية له الخ ) حمله الطيبي على أنه غاية للخسران على حدّ قوله :وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ[ سورة ص ، الآية : 78 ] أي إنك مذموم مدعوّ عليك باللعنة إلى يوم الدين فإذا جاء ذلك اليوم لقيت ما تنسى اللعن معه أي خسر المكذبون إلى قيام الساعة بأنواع من المحن والبلاء ، فإذا قامت الساعة يقعون فيما ينسون معه هذا الخسران وذلك هو الخسران المبين ، وفي الكشف ردّا عليه لم يجعل من باب وإنّ عليك لعنتي لأنّ الخسران الأشدّ بعد قولهم ذلك حين استقرارهم في دار العذاب فلا وجه لجعله غاية الخسران مبالغة وليس بوارد لأنّ جعله غاية للخسران المتعارف بقرينة المقام يفيد أن ما وقع بعده أشدّ وأفظع منه حتى كأنه جنس آخر ، وهو يلاقي ما ذكره ولا ينافيه ، وقد غفل عن هذا من تابعه وما ذكره الطيبي وجه بديع فتأمّله . قوله : ( بغتة ) في نصبه وجوه منها أنه حال بمعنى مبغوتين وقيل إنه منصوب على أنه مفعول مطلق من معناه كرجع القهقرى ، وقيل بفعل مقدّر من غير لفظه أي أتتهم بغتة ، وقيل من لفظه والبغتة والفجأة مجيء شيء سرعة لم يكن منتظرا والساعة غلبت على يوم القيامة كالنجم للثريا ، وسميت ساعة لقلتها بالنسبة لما بعدها من الخلود أو لسرعة الحساب فيها على الباري . قوله تعالى : ( فهذا أوانك ) تعالى بفتح اللام