تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ
أي وما أعمالها إلا لعب ، ولهو تلهي الناس ، وتشغلهم عما يعقب
شرح
للذنوب أوزار وجعلها محمولة على الظهر استعارة تمثيلية وعلى الظهر بناء على المعتاد الأغلب كما في كسبت أيديكم إذ الكسب في الأكثر بالأيدي وقيل حملها على الظهر حقيقة وإنها تحسم لما روي في الحديث هنا : « إنه ليس من ظالم يموت فيدخل قبره إلا جاءه رجل قبيح الوجه أسود اللون منتن الريح عليه ثياب دنسة فإذا رآه قال له : ما أقبح وجهك فيقول : كذا كان عملك قبيحا فيكون معه في قبره فإذا بعث قال له : إني كنت في الدنيا أحملك باللذات والشهوات ، وأنت اليوم تحملني ، فيركب ظهره ويسوقه إلى النار » « 1 » الحديث ولعل هذا تمثيل أيضا وقريب منه ما قيل ، من قال بالميزان واعتقد وزن الأعمال لا يقول إنه تمثيل . قوله : ( ألا ساء ما يزرون ) ساء يحتمل هنا وجوها ثلاثة أحدها أن تكون المتعدية المتصرفة ووزنها فعل بفتح العين والمعنى ألا ساءهم ما يزرون وما موصولة أو مصدرية أو نكرة موصوفة فاعل له ، الثاني أنها حوّلت إلى فعل بضم العين وأشربت معنى التعجب والمعنى ما أسوأ الذي يزرونه ، أو ما أسوأ وزرهم على احتمالي ما ، والثالث أنها حوّلت أيضا للمبالغة في الذمّ فتساوي بئس في المعنى والأحكام ، والكلام في ما كما في قوله بئس ما اشتروا والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله أنه فيما قبله لا يشترط فيه ما يشترط في فاعل بئس من الأحكام ولا هو جملة منعقدة من مبتدأ وخبر وإنما هو فعل وفاعل ، والفرق بين هذين الوجهين والأوّل إنه متعدّ في الأوّل قاصر في هذين وإنه فيه خبر وفيهما إنشاء ، واقتصر المصنف على أحدهما وقدر المخصوص بالمدح وذكر المولى ابن كمال اثنين منها فتوهم بعضهم أنه لم يفرق بينهما وهو الواهم لأنه قال المخصوص بالذم محذوف أي بئس شيئا يزرون وزرهم أو الذي يزرونه ، وجاء على وزن فعل متعديا فتقديره ساءهم انتهى . قوله : ( وما أعمالها إلا لعب ولهو الخ ) أي ليست الأعمال المختصة بها إلا كاللعب واللهو في عدم النفع والثبات فخرج ما فيها من الأعمال الصالحة كالعبادة وما كان لضرورة المعاش ، والكلام من التشبيه البليغ ولو لم يقدّر مضاف وجعلت الدنيا نفسها لهوا ولعبا مبالغة صح بقي هنا نكتة وهو أنه جمع اللهو واللعب في آيات فتارة قدّم اللعب كما هنا وتارة قدّم اللهو كما في العنكبوت فهل لهذا التفنن نكتة خاصة أم لا فأبدى بعضهم لذلك نكتة وزعم أنها من نتائج أفكاره ، وليس كما قال فإنها مذكورة في درة التأويل وهو أبو عذرته في هذا الفنّ ، ومحصل ما ذكراه أنّ الفرق بين اللهو واللعب مع اشتراكهما في أنهما الاشتغال بما لا يعني العاقل ويهمه من هوى أو طرب سواء كان حراما أم لا أنّ اللهو أعم من اللعب فكل لعب لهو ولا عكس فاستماع الملاهي لهو وليس بلعب ، وقد فرقوا بينهما بأنّ اللعب ما قصد به تعجيل المسرة والاسترواح به واللهو كل ما شغل من هوى وطرب ، وإن لم يقصد به ذلك كما نقل عن أهل اللغة قالوا واللهو إذا أطلق فهو اجتلاب المسرة بالنساء كما قال امرؤ القيس :
هامش
( 1 ) هو بعض حديث أخرجه أحمد 4 / 287 من حديث البراء بن عازب ، وقال الهيثمي في « المجمع » 3 / 50 ؛ رجاله رجال الصحيح . وقواه المنذري في « الترغيب » 4 / 270 .
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 74 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي