فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ
فهلا نفر من كل جماعة كثيرة كقبيلة ، وأهل بلدة جماعة قليلة
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ
ليتكلفوا الفقاهة فيه ، ويتجشموا مشاق تحصيلها
وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ
وليجعلوا غاية سعيهم ومعظم غرضهم من الفقاهة إرشاد
شرح
النظم فلذا قدّمه المصنف رحمه اللّه ، والمعنى لا يستقيم لهم أن يخرجوا جميعا لطلب العلم كالغزو لأنه تعالى لم بين وجوب الهجرة والجهاد وكل منهما سفر لعبادة فبعد ما فضل الجهاد ذكر السفر الآخر ، وهو الهجرة لطلب العلم فيكون النفر والخروج لطلب العلم ولكن المصنف رحمه اللّه تعالى عمم فيه لبيان أنّ حكمهما واحد فيلتئم بما قبله كالوجه الثاني وقوله : ( فإنه يخل بأمر المعاش ) تعليل لقوله أن ينفروا وترك الآخر لظهوره ، وهو الإثم ويصح أن يكون تعليلا لهما فإنّ في ترك غلبة العدوّ غلبتهم المخلة بالمعاش أيضا ، والثاني وهو الذي أشار إليه بقوله ، وقد قيل الآتي أنه لما شدد على المتخلفين قالوا لا يتخلف منا أحد عن جيش أو سرية فلما فعلوا ذلك حتى بقي النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وحده نزلت ، فقيل لهم لا تنفروا جميعا للقتال ولتقم طائفة معه لتعلم الدين ، وتفهم ما صدر عنه صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا رجع المجاهدون أفادوهم ما سمعوا منه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا مرويّ عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قيل : فعلى هذا لا بد في الآية من إضمار والتقدير فلو لا نفر من كلّ فرقة طائفة وأقامت طائفة ليتفقه المقيمون ، ولينذروا قومهم النافرين إلى الغزو إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون معاصي اللّه تعالى عند ذلك التعلم ، وردّ بأنه لا حاجة إلى التقدير إذ يفهم الفرق من قوله : ( فلو لا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ) فإنّ الفرق إذا نفر من كل منها طائفة لزم أن تبقى طائفة أخرى فضمير ليتفقهوا يرجع إلى الفرق البانية المفهومة من الكلام وسيأتي ما فيه . قوله : ( فهلا نفر من كلّ جماعة كثيرة الخ ) يعني لولا هنا تحضيضية لا امتناعية وهي مع الماضي تفيد التوبيخ على ترك الفعل ، ومع المضارع تفيد طلبه والأمر به لكن اللوم على الترك فيما يمكن تلافيه ، قد يفيد الأمر به في المستقبل ، ولذا قيل إنّ الآية تدلّ على وجوب طلب العلم لا لما قيل إنّ التوبيخ على الترك يقتضي الوجوب ، وكون الفرقة كثيرة والطائفة قليلة في الآية مأخوذ من السياق ، ومن التبعيضية لأنّ البعض في الغالب أقل من الباقي فلا يرد ما قيل إنّ الفرقة ، والطائفة بمعنى في اللغة فلا يدلّ النظم على ما ذكره ، وادعاء الفرق ودلالة النظم عليه وأنّ أهل اللغة لا يبالون بالتعريف بالأعم يحتاج إلى نقل . قوله : ( ليتكلفوا الفقاهة فيه الخ ) إشارة إلى أنّ صيغة التفعل للتكلف ، وليس المراد به معناه المتبادر بل مقاساة الشدّة في طلبه لصعوبته ، وأنه لا يحصل بدون جدّ وجهد فقوله ويتجشموا أي يرتكبوها عطف تفسير لما قبله . قوله : ( وليجعلوا غاية سعيهم الخ ) لما كان الظاهر ليتفقهوا في الدين ، وليعلموا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يفقهون ، وقد وضع موضع التعليم الإنذار وموضع يفقهون يحذرون آذن بالغرض منه وهو اكتساب خشية اللّه ، والحذر من بأسه قال الغزالي رحمه اللّه :
كان اسم الفقه في العصر الأوّل اسم لعلم الآخرة ، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدة الأعمال والإحاطة بحقارة الدنيا وشدّة التطلع إلى نعيم الآخرة ، واستيلاء الخوف على القلب ويدلّ عليه