الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
نهى عبر عنه بصيغة النفي للمبالغة
وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ
ولا يصونوا أنفسهم عما لم يصن نفسه عنه ويكابدوا معه ما يكابده من الأهوال ، روي أنّ أبا خيثمة بلغ بستانه وكانت له زوجة حسناء فرشت له في الظل وبسطت له الحصير وقربت إليه الرطب والماء البارد ، فنظر فقال : ظل ظليل ورطب
شرح
صدقوا في إيمانهم ومعاهدتهم اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم على الطاعة ، وإن كان عامّا فيراد الذين صدقوا في الدين نية وقولا وعملا وإن كان لمن تخلف وربط نفسه بالسواري فالمناسب أن يراد بالصادقين الثلاثة أي كونوا مثلهم في صدقهم وخلوص نيتهم وإلى هذه الوجوه الثلاثة أشار المصنف رحمه اللّه وأيمانهم بفتح الهمزة جمع يمين وعهودهم عطف تفسير عليه ، وقيل إنه جعل الخطاب عاما في الوجوه كلها ، ولم يلتفت إلى ما مرّ من التفصيل الواقع في الكشاف لعدم القرينة عليه والوثوق بروايته فتأمّل . قوله : ( ما كان لأهل المدينة ) قيل خص أهل المدينة لقربهم منه ، وعلمهم بخروجه وأنه خاص بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لا بغيره من الخلفاء لأنّ النفير ليس بلازم ما لم يلم العدوّ ، ولم يمكن دفعه بدونه وقد سبق ما نقلناه عن ابن بطال رحمه اللّه من أنه كان واجبا عليهم لأنهم بايعوا عليه فتذكره ، ووقع في نسخة بعد قوله عن رسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن حكمه فقبل قدره ليدخل ما عداه . قوله : ( عبر عنه بصيغة النفي للمبالغة ) هو نهي بليغ لأنّ معناه لا ينبغي ولا يستقيم ، ولا يصح وهو أبلغ من صريح النهي ، وإذ أنهوا عن أن يتخلفوا عنه صلّى اللّه عليه وسلّم وإن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه وجب عليهم أن يصحبوه صلّى اللّه عليه وسلّم في البأساء والضرّاء وأن يلقوا أنفسهم ما يلقاه من الشدائد فيكونون مأمورين بذلك لأنّ النهي عن الشيء أمر بضدّه ، والمعنى ما صح لهم ولا استقام أن يترفعوا بأنفسهم عن نفسه بأن يكرهوا الشدائد لأنفسهم ولا يكرهوها له فإنه مستهجن جدا بل عليهم أن يعكسوا القضية ، وفي كلام المصنف رحمه اللّه تعالى ما يشير إلى ذلك وهو قوله ويكابدوا أي يقاسوا . قوله تعالى :وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِعداه بالباء وعن وقال الواحدي رحمه اللّه يقال رغبت بنفسي عن هذا الأمر أي ترفعت ، وفي النهاية رغبت بفلان عن هذا الأمر أي كرهته له ففيه مبالغة أيضا فتأمّله . قوله : ( روي أن أبا خيثمة رضي اللّه عنه بلغ بستانه الخ ) « 1 » أبو خيثمة من الأنصار أحد بني سالم بن الخزرج شهد أحدا وبقي إلى أيام يزيد بن معاوية ، وهذا الحديث رواه البيهقيّ من طريق أبي إسحاق ، وقوله : ( بلغ بستانه ) أي أتاه ودخله بعد ما ذهب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى غزوة تبوك ، وقوله : ( فرشت له ) بفتح الفاء والراء وتشديد الشين من رش الماء على التراب إذا نثره عليه ليسكن ويبرد ويجوز أن يكون من الفرش وقوله : ( بسطت حينئذ ) تفسير له ، والرطب معروف ( وظل ظليل ) تأكيد له من لفظه كليل أليل ومعنى يافع أي زاه نضيج حسن ، والضج بفتح الضاد المعجمة وتشديد الحاء المهملة ضوء
هامش
( 1 ) أخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 222 من طريق ابن إسحاق عن عبد اللّه بن أبي بكر بن حزم مرسلا . مع اختلاف يسير فيه .