عن علقة الذنوب كقوله :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
[ سورة الفتح ، الآية : 2 ] وقيل هو بعث على التوبة ، والمعنى ما من أحد إلا وهو محتاج إلى التوبة حتى النبيّ والمهاجرين والأنصار لقوله تعالى :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً
[ سورة النور ، الآية : 31 ] إذ ما من أحد إلا وله مقام يستنقص دونه ما هو فيه ، والترقي إليه توبة من تلك النقيصة ، وإظهار لفضلها بأنها مقام الأنبياء والصالحين من عباده
الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ
في وقتها وهي حالهم في غزوة تبوك ، كانوا في عسرة الظهر تعتقب العشرة على بعير واحد والزاد
شرح
غيره صلّى اللّه عليه وسلّم فلذا لم يتعرض له ، وفي حقه صلّى اللّه عليه وسلّم المراد به ما ارتكبه من الأذن للمنافقين ، وخلاف الأولى كقوله :عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَلهم أو هي مجاز عن البراءة من الذنب ، والصون عنه فيكون استعارة لشبه البراءة عنه بعفوه في أنه لا مؤاخذة في كل منهما كما في قوله : ( ليغفر لك اللّه ) فإنه بمعنى ليصونك عن ذلك ، وقيل : المراد بالذنب على هذا ما يكون نقصا بالنسبة إلى الشخص أعمّ من ترك الأولى وفيه نظر ، وعلقة بضم فسكون ما يتعلق به منه . قوله : ( وقيل هو بعث على التوبة والمعنى ما من أحد الخ ) أي حض وتحريض للناس كلهم على التوبة لأنّ كل أحد محتاج إليها حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام مع عصمتهم لترقيهم في المقامات فكلما وصلوا إلى مرتبة كان الوصول إليها بمنزل التوبة عما دونها فتكون التوبة استغفاره للصعود إلى المقامات وانتقالا من العليّ إلى الأعلى في الخواص ، وفي العوام من حضيض الذنوب إلى أوج التوبة المقربة لهم من العلي الأعلى والتحريض مأخوذ من إسناد التوبة إلى هؤلاء ووصفهم بها فإذا كانوا محتاجين إليها فما بالك بغيرهم فمغايرته لما قبله ، واختصاصه بالبعث المذكور ظاهر كما إذا قلت خدم الوزير السلطان مخاطبا للعوام ، فإنه يدل على تحريضهم على خدمته فاندفع ما قيل إنّ البعث والإظهار لا يتوقفان على هذا المعنى بل يحصلان على المعنيين الأوّلين فتخصيص تعليل حصول البعث بما ذكره من المعنى الغير المشهور محل كلام ، وكذا ما قيل في دفعه إنه ليس وجها ثالثا بل بيان لفائدة الوجهين السابقين ، وكيف لا وهو في الأوّلين خاص ، وفي هذا عام وكون البعث موجودا فيهما لا يضرّ ، وقوله : ( إلا وله مقام ) أي مقام يمكنه الوصول إليه وإن لم يكن مقاما له في الحال ، وضمير دونه لمقام وهو لاحد وفيه لما ، وقوله : ( والترقي الخ ) صريح فيما قرّرنا . قوله :
( وإظهار لفضلها ) أي لفضل التوبة فيكون المقصود بذكر الصفة مدحها نفسها لا مدح موصوفها كوصف الملائكة عليهم الصلاة والسّلام بالإيمان والأنبياء صلّى اللّه عليه وسلّم بالصلاح في بعض الآيات ذا لوصف للمدح كما يكون لمدح الموصوف يكون لمدح الصفة ، وهذا من لطائف البلاغة كما نصوا عليه وهو كما قال حسان رضي اللّه تعالى عنه :ما إن مدحت محمدا بمقالتي * لكن مدحت مقالتي بمحمدوقد مرّ تفضيله . قوله : ( في وقتها الخ ) فيه إشارة إلى أنّ الساعة هنا بمعناها اللغوي ،