تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 602

مساهمون:

ص٦٠٢
تقدّم
هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
الذي تستحقر دونه الدنيا وما فيها
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ
بالسيف
وَالْمُنْفِقِينَ
بإلزام الحجة وإقامة الحدود
وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ
في ذلك ، ولا تحابهم
وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
مصيرهم
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا
روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أقام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ويعيب التخلفين فقال : « الجلاس بن سويد لئن كان ما يقول محمد لإخواننا حقا لنحن شرّ من الحمير فبلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فاستحضره فحلف باللّه ما قاله فنزلت فتاب الجلاس وحسنت توبته »
وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ
شرح
أوجب من حل به كذا إذا نزل ، والرضوان لما فيه من المبالغة لم يستعمل في القرآن إلا في رضا اللّه . قوله : ( أي الرضوان ) فهو فوز عظيم يستحقر عنده نعيم الدنيا فلا ينافي قوله تعالى :أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[ سورة التوبة ، الآية : 89 ] كما قيل ، ولذا قيل كان المناسب أن يفسر العظيم بما يستحقر عنده نعيم الجنة ، أو الجنة وما فيها ، وكأنه فسره بتفسير شامل للوجهين لأنّ ما استحقر عنده الجنة تستحقر عنده الدنيا بالطريق الأولى . قوله تعالى :يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَظاهر الآية يقتضي مقاتلة المنافقين ، وهم غير مظهرين للكفر ، ونحن مأمورون بالظاهر فلذا فسر الآية السلف بما يدفع ذلك بناء على أن الجهاد بذل الجهد في دفع ما لا يرضى سواء كان بالقتال أو بغيره ، وهو إن كان حقيقة فظاهر ، وإلا حمل على عموم المجاز فجهاد الكفار بالسيف وجهاد المنافقين بإلزامهم بالحجج وإزالة الشبه ، ونحوه أو بإقامة الحدود عليهم إذا صدر منهم ما يقتضي ذلك ، فقد روي عن الحسن أنّ المراد بجهاد المنافقين إقامة الحدود عليهم ، واستشكل بأنّ إقامتها واجبة على غيرهم أيضا فلا تختص بهم وأشار في الإحكام إلى دفعه بأنها في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم أكثر ما صدرت عنهم ، وأما القول بأن المنافق عنده بمعنى الفاسق فركيك ، ولما لم يره المصنف رحمه اللّه تفسيرا مستقلا جعله ضميمة ، فلا يقال الأولى عطفه بأو . قوله : ( في ذلك ) الإشارة إلى الجهاد بقسميه وتحابهم من المحاباة والميل وهو مجزوم بحذف آخره ، وقوله مصيرهم هو المخصوص بالذمّ . قوله : ( روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم الخ ) « 1 » أخرجه البيهقي في الدلائل عن عروة بن الزبير ، والجلاس بضم الجيم والسين المهملة وتخفيف اللام بوزن غراب رجل من الصحابة كان منافقا وقد حسن إسلامه بعد ذلك ، كما ذكره المصنف رحمه اللّه تعالى . قوله : ( فحلف باللّه ما قاله ) وتفصيله في الكشاف لكن إسناد الحلف في الآية للجميع مع صدوره عن الجلاس وحده لأنهم رضوا به واتفقوا عليه فهو من إسناد الفعل إلى سببه أو جعل الكل لرضاهم به كأنهم فعلوه كما تقدّم إذ لولا رضاهم ما باشره ، ولا حاجة إلى عموم المجاز لأنّ الجمع بين الحقيقة والمجاز جائز في المجاز العقلي ، وليس محلا للخلاف ، وكذا الكلام في هموا بما لم ينالوا أو لا حاجة إليه لأنهم جماعة من المنافقين ولا يناسب حمله على جماعة جلاس إلا أن
هامش
( 1 ) انظر دلائل النبوة للبيهقي 5 / 258 .