تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 4

مساهمون:

ص٤
على إنه المستحق له على هذه النعم الجسام حمد أو لم يحمد ليكون حجة على الذين هم
شرح
الحقيقتان ، وظهر أنّ الغفلة عن اعتبار هذا القيد جزء ماهية الحمد هو منشأ الغلط إذ بالغفلة عنه ظنّ أنه إخبار لوجود خارج يطابقه وهو الاتصاف ، ولا خارج للإنشاء ، وأنت تعلم أن هذا خارج عن المفهوم ، وهو الوصف الجميل وتمامه ، وهو المركب منه ومن كونه على وجه ابتداء التعظيم لا خارج له بل هو ابتداء معنى لفظه علة له انتهى قلت إن نظرت بدقيق النظر إلى ما قال فهذا كلام لا يخلو من اختلال فإنه لا يلزم في كل إنشاء صحة اشتقاق اسم فاعل صفة للمتكلم به منه بل إنما يكون إذا كان إنشاء لحال من أحواله كما فيما نحن فيه ، ولا فرق فيه بينه وبين الخبر في ذلك ، فكما يصح أن يقال حامد يقال لمن ضربت ضارب فإن لم يكونا كذلك لم يصح فيهما ، وكما لا يقال لمن قال زيد قائم إنه قائم لا يقال لمن قال : اضرب إنه ضارب وهذا لا يختص بالأمر ، ألا ترى أنّ قوله تعالى :وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ[ البقرة ، الآية : 233 ] أنها خبرية لفظا وإنشائية معنى لأنها لأمرهم بالإرضاع ولا يطلق عليه تعالى مرضع ، كذا نحو قاتله اللّه جملة إنشائية معنى خبرية لفظا ، ولا يقال لقائلها قاتل ، وهذا تخيل فاسد والذي غرّه صيغ العقود ، وقد علمت وجهه فيها وأنها لا تختص بها وما نحن فيه من قبيلها ، فتأمّل منصفا . قوله : ( ونبه على أنه المستحق له الخ ) يعني أنه أخبر أوّلا أنه حقيق بالحمد باعتبار ذاته تعالى ، ولذا لم يقل للمنعم ونحوه ، ثم نبه على استحقاقه باعتبار الأنعام تنبيها على تحقق الاستحقاقين ، وأعلم أن الحمد لغة الثناء بالجميل الاختياري تعظيما ، وعرفا فعل ينبئ عن تعظيم المنعم فقد تضمن محمودا به ومحمودا عليه ، إن قلنا إنه مغاير للمحمود به ، ومعتبر فيه كما يعلم تحقيقه من شرح المطالع وحواشيه ، وأمّا المستحق للحمد فهو المحمود ، ولا يشترط فيه ذلك بل لا يصح ، قال الفاضل الليثي المراد بالاستحقاق الذاتي استحقاقه تعالى الحمد بجميع صفاته وأفعاله كما أشار إليه الشريف في شرح الكشاف حيث قال : لما كانت صفاته عين ذاته أو مستندة إليها . وكانت أفعاله متفرّعة على صفاته كان استحقاقه العبادة لصفاته ، وأفعاله راجعا إلى الاستحقاق الذاتي ، أقول هذا مردود من وجهين ، الأوّل أنّ المحمود لا يشترط فيه أن يكون اختياريا كما مرّ فحينئذ التعظيم ، وهو الحمد العرفي الذي الحمد اللغويّ نوع منه ، وأقصاه العبادة يضاف إلى الذات من غير تأويل بل هو الطرف الأعلى كما صرّح به في الإشارات في مقامات العارفين ، وقال الرازي في شرحه : أعلم أنهم في ذلك ثلاث طبقات . فالأولى : في الكمال والشرف الذين يعبدونه لذاته لا لشيء آخر ، والثانية : وهي التي تلي الأولى في الكمال الذين يعبدونه لصفة من صفاته ، وهي كونه مستحقا للعبادة ، والثالثة : وهي آخر درجات المحققين الذين يعبدونه لتستكمل نفوسهم بالانتساب إليه انتهى ، والعجب كيف خفي مثله على هؤلاء الفحول ، فإن قلت كيف يتصوّر تعظيم الذات من حيث هي قلت لو وقع ذلك ابتداء قبل التعقل بوجوه الكمال كان كذلك أما بعد معرفة المحمود بسمات الجمال ، وتصوّره بأقصى صفات الكمال فلا بدع في أن يتوجه إلى تمجيده وتحميده
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 4 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي