عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ
بإظهار الشرك وتكذيب الرسول وهو حال من الواو والمعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين عمارة بيت اللّه وعبادة غيره ، روي أنه لما أسر العباس عيره المسلمون بالشرك ، وقطيعة الرحم وأغلظ له عليّ رضي اللّه تعالى عنه في القول فقال :
ما بالكم تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا إنا لنعمر المسجد الحرام ، ونحجب الكعبة ونسقي الحجج ونفك العاني فنزلت :
أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ
التي يفتخرون بها بما قارنها من الشرك
وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ
لأجله
إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ
أي إنما تستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية ومن عمارتها تزيينها بالفرش ، وتنويرها بالسرج ، وإدامة العبادة والذكر ودرس العلم فيها وصيانتها عما لم تبن له كحديث الدنيا ، وعن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال اللّه تعالى : « إنّ بيوتي في أرض المساجد وإنّ زوّاري فيها عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم
شرح
جعل المسجد الحرام كالإمام للمساجد لتوجه محاريبها إليه توجه المقتدي لجهة إمامه فيكون التعبير عنه بالجمع مجازا علاقته ما ذكر ، وأما فتح همزة أمامها فركيك مفوّت للمبالغة ، والمعنى الذي قصده المصنف رحمه اللّه فلا تغتر بمن قال : إنّ معناهما واحد . قوله :
( بإظهار الشرك وتكذيب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ) يعني أنّ شهادتهم على أنفسهم مجاز عن الإظهار ، لأنّ من أظهر فعلا فكأنه شهد به على نفسه وأثبته لها ، وقوله : ( حال من الواو ) أي في يعمروا ، وقوله : بين أمرين متنافيين لأنّ عمارة المتعبدين تصديق للمعبود بعبادته فينافيه الكفر بذلك .
وقيل : إنّ الشهادة على ظاهرها والمراد قولهم كفرنا بما جاء به ونحوه ، والمصنف رحمه اللّه لما رأى أن حقيقة الشهادة إنما تكون على الغير وهذا الوجه أبلغ وأدق اقتصر عليه . وقوله :
( روي أنه لما أسر الخ ) « 1 » أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم نحوه عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وقوله : ( نحجب الكعبة ) أي نخدمها ونكون بوابين لها وليس المراد نكسوها كما قيل ، لأنّ الحاجب اشتهر بمعنى البوّاب وجمعه حجبة . والحجيج جمع أو اسم جمع للحاج وفك العاني بمعنى إطلاق الأسير وفك الرقبة اعتاقها وقوله فنزلت أي الآية ما كان للمشركين الخ . وهذا يقتضي أنّ العباس رضي اللّه عنه لم يكن حينئذ مسلما وفيه كلام .
وقوله : بما قارنها متعلق بحبطت ، وجملةوَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَعطف على جملة ( حبطت ) على أنه خبر آخر لأولئك وهم فصل يفيد الحصر فيهم دون عصاة المؤمنين .
وقوله : لأجله أي لأجل الشرك لأنه سبب الخلود فيها وفيه ردّ على الزمخشري في جعله الأعمال بمعنى الكبائر على الاعتزال . قوله : ( إنما تستقيم عمارتها الخ ) تستقيم بمعنى تصح فإنّ الذي تصح منه ويمكن من العمارة سواء كانت بالمكث فيه للعبادة أو بالبناء ، والفرش ونحوه من حاز الكمال العلمي والعملي وهو كناية عن الإيمان الظاهر ، فإنه يكون بالتصديق
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري 16572 عن ابن عباس بنحوه .