يتوفى ويدل عليه قراءة ابن عامر بالتاء ويجوز أن يكون الفاعل ضمير اللّه عز وجلّ ، وهو مبتدأ خبره
يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ
والجملة حال من الذين كفروا واستغنى فيه بالضمير عن الواو ، وهو على الأول حال منهم أو من الملائكة أو منهما لاشتماله على الضميرين
وَأَدْبارَهُمْ
ظهورهم وأستاههم .
ولعل المراد تعميم الضرب أي يضربون ما أقبل منهم وما أدبر
وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
عطف على يضربون بإضمار القول أي ويقولون ذوقوا بشارة لهم بعذاب الآخرة ، وقيل : كانت معهم مقامع من حديد كلما ضربوا التهبت النار منها ، وجواب لو محذوف لتفظيع الأمر وتهويله
ذلِكَ
الضرب والعذاب
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ
بسبب ما كسبتم
شرح
هاهنا على حقيقة المضيّ قيل والنكتة فيه القصد إلى تصوير أنّ رؤية المخاطب حال الكفار وقت ذلك مستمرّة الامتناع في الماضي استمرارا تجدّديا وقتا بعد وقت فالقصد إلى استمرار امتناع الرؤية وتجدّده ( وفيه بحث ) لأنه لا مانع من كون الرؤية في الماضي لأنه ليس المراد بها رؤية واقعة حتى يتأتى ما ذكروه ، والمضيّ في الحقيقة للرؤية الممتنعة بل لامتناع الرؤية الماضية في الدنيا فما الداعي إلى هذه التكلفات فتأمّل . قوله : ( والملائكة فاعل يتوفى ) ولم يؤنث لأنه غير حقيقيّ التأنيث وحسنه الفصل بينهما ، وقوله : ( الفاعل ضمير اللّه ) أي فاعل يتوفى والملائكة على هذا مبتدأ خبره جملة يضربون والجملة الاسمية مستأنفة ، وعند المصنف رحمه اللّه حالية واعترض عليه بأنه ذكر في أوّل الأعراف أنه لا بدّ في الاسمية من الواو وتركها ضعيف ، وقد مرّ الكلام فيه . قوله : ( وهو على الأوّل الخ ) أي يضربون ويحتمل الاستئناف أيضا والمراد بالأوّل الوجه الأوّل ، وهو كون الملائكة فاعل يتوفى ، وهو إمّا حال من الفاعل أو المفعول أو منهما لاشتماله على ضميريهما ، وهي مضارعية يكتفي فيها بالضمير . قوله :
( ظهورهم وأستاههم ) يعني الدبر ما أدبر وهي كل الظهر أو بعضه كما اختص به في عرف اللغة ، ولعل المراد بذكرهما التخصيص بما لأنه أشدّ نكالا وإهانة كما ذكره الزمخشريّ ، أو المراد التعميم على حدّ قوله :بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ[ سورة الأعراف ، الآية : 205 ] لأنه أقوى ألما .
قوله : ( بإضمار القول أي ويقولون ذوقوا الخ ) ليس التقدير لمجرّد الفرار من عطف الإنشاء على الخبر بل لأنّ المعنى يقتضيه لأنه من قول الملائكة قطعا قيل ، ويحتمل أن يكون من كلام اللّه عز وجلّ ، كما مرّ في آل عمران ونقول ذوقوا عذاب الحريق فقول البحر قطعا فيه نظر ، وعندي أنه لا وجه له فإنّ السياق يعين ما قاله ، وبينهما وبين تلك الآية فرق ظاهر ، وجعل بشارة لأنّ المراد به عذاب الآخرة فإن أريد به ما أحرقوا به حالة الضرب فهو للتوبيخ وقوله بشارة تهكم إشارة إلى أن قوله ذوقوا من التهكم لأنّ الذوق يكون في المطعومات المستلذة غالبا وفيه نكتة أخرى ، وأنه قليل من كثير يعقبه ، وأنه مقدّمة كأنموذج الذائق ، وبهذا الاعتبار يكون فيه المبالغة وإن أشعر الذوق بقلته . قوله : ( وجواب لو محذوف لتفظيع الأمر وتهويله ) إشارة إلى أنه يقدّر لرأيت أمرا فظيعا كما اشتهر تقديره به ، وقدّره الطيبي رحمه اللّه لرأيت قوّة أوليائه ونصرهم على