تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
القهقرى أي بطل كيده ، وعاد ما خيل إليهم أنه مجيرهم سبب هلاكهم ،
وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ
أي تبرأ منهم وخاف عليهم وأيس من حالهم لما رأى امداد اللّه المسلمين بالملائكة ، وقيل لما اجتمعت قريش على المسير ذكرت ما بينهم وبين كنانة من الأحنة ، وكاد ذلك يثنيهم فتمثل لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك الكناني ، وقال لا غالب لكم اليوم ، وإني مجيركم من بني كنانة فلما رأى الملائكة تنزل نكص ، وكان يده في يد الحرث بن هشام فقال له إلى أين أتخذلنا في هذه الحالة فقال إني أرى ما لا ترون ودفع في صدر الحرث وانطلق وانهزموا فلما بلغوا مكة قالوا هزم الناس سراقة فبلغه ذلك فقال : واللّه ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم فلما أسلموا علموا أنه الشيطان ، وعلى هذا يحتمل أن يكون معنى قوله إني أخاف اللّه إني أخافه أن يصيبني مكروها من الملائكة أو يهلكني ويكون الوقت هو الوقت الموعد إذ رأى فيه ما لم ير قبله ، والأول ما قاله الحسن واختاره ابن بحر
وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ
شرح
وقوله مجير لهم إشارة إلى أنه من قبيل الإسناد إلى السبب الداعي ، وإذا كان صفة فالخبر محذوف أي لا غالب كائنا لكم موجود ، وصلته بمعنى متعلق به . قوله : ( تلاقي الفريقان ) فالترائي كناية عن التلاقي لأنّ النكوص عنده لا عند الرؤية ، وقوله : ( رجع القهقرى ) هو معنى النكوص ، وعلى عقبيه حال مؤكدة ، وقيل إنه مطلق الرجوع فتكون مؤسسة وقوله أي بطل كيده يعني أنه استعارة تمثيلية شبه بطلان كيده بعد تزيينه بمن رجع القهقرى عما يخافه وقوله وعاد ما خيل إليهم مجهولا ، وعاد بمعنى صار أي انقلب إلى عكس ما تخيلوا . قوله : ( تبرّأ منهم وخاف عليهم الخ ) جعل قوله إني بريء الخ عبارة عن التبري منهم لأنه ليس منه قول حقيقة أما على القول الأول فظاهر ، وأما على الثاني فلما سيأتي في بيانه ، والتبري منهم إمّا بتركهم أو بترك الوسوسة لهم ، وقال خاف عليهم قيل لأنه لا يخاف على نفسه لأنه من المنظرين وفيه نظر لما سيأتي ، وقوله : ( وقيل ) عطف على قوله مقالة نفسانية ، والأحنة بالكسر للهمزة وحاء مهملة ونون معناها الحقد كما مرّ ، وقوله يثنيهم أي يصرفهم للرجوع عن قصدهم ، وقوله : أتخذ لنا أي تترك معاونتنا . قوله : ( وعلى هذا يحتمل أن يكون معنى قوله الخ ) أصل قوله يصيبني مكروها يصيبني اللّه بمكروه فمكروها منصوب على نزع الخافض ، وليس تفعيلا منه كما قيل والحامل له عليه تعديته ، وليس في اللغة تفعيل منه ، واعترض على قوله أو يهلكني الخ بأنه لا اختصاص له بالتفسير الثاني ، ولا بقوله إذ رأى الخ لظهور تمشيته على التفسير الأول ، ولا يخفى أن قال على الأول بمعنى وسوس وهو لا يوسوس إليهم بخوفه على نفسه بل عليهم ، ولذا قال : في الأول خاف عليهم وهو ظاهر ، وقوله : ( إذ رأى فيه ما لم ير قبله ) كما في حديث الموطأ رحم اللّه مؤلفه : « ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ، وأدحر ولا أحقر وأغيظ منه في يوم عرفة لما يرى من تنزل الرحمة ، وتجاوز اللّه عن الذنوب العظام إلا ما رؤي يوم بدر لما رأى جبريل والملائكة عليهم