مواطن الحرب داعين له مستظهرين بذكره مترقبين لنصره
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة وفيه تنبيه على أنّ العبد ينبغي أن لا يشغله شيء عن ذكر اللّه ، وإن يلتجىء إليه عند الشدائد ويقبل عليه بشراشره فارغ البال ، واثقا بأنّ لطفه لا ينفك عنه في شيء من الأحوال
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا
باختلاف الآراء كما فعلتهم ببدر أو أحد
فَتَفْشَلُوا
جواب النهي وقيل عطف عليه ولذلك قرىء
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
بالجزم والريح مستعارة للدولة من حيث إنها في تمشي أمرها ونفاذه مشبهة بها في هبوبها ونفوذها ، وقيل المراد بها الحقيقة فإنّ النصرة لا تكون إلا بريح يبعثها اللّه ، وفي الحديث : « نصرت
شرح
الفئة بأنها كافرة لأنه معلوم غير محتاج إلى ذكره ، وقيل ليشمل قتال البغاة ولا ينافيه خصوص سبب النزول ، وقوله : ( للقائهم ) اللام للتوقيت أي في وقت لقائهم أي قتالهم ، ومن الكلمات الواهية هنا ما قيل على المصنف إنّ الانقطاع معتبر في معنى الفئة لأنها من فاوتته رايته أي قطعته ، والمنقطع عن المؤمنين إما كفار أو بغاة ، ثم قال : مستسمنا ذا ورم ومن لم يقف على هذه الدقيقة الأنيقة قال لم يصفها لأنّ المؤمنين ما كانوا يلقون إلا الكفار ، وهذا مما لا حاجة إلى ردّه ، وكذا ما قيل الأولى حذف قوله مما لأنّ له نظار مشهورة كالنزال . قوله : ( في مواطن الحرب داعين له الخ ) وهذا يقتضي استحباب الدعاء والذكر في القتال ، ومنه التكبير ، وقيل يستحب إخفاؤه ولذا قيل المراد بذكره أخطاره بالقلب وتوقع نصره ، وفي الحديث : « لا تمنوا لقاء العدوّ اسألوا اللّه العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا واذكروا اللّه كثيرا فإن أجلبوا وضجوا فعليكم بالصمت » « 1 » ، وهذا من عدم الوقوف على كتب السنة ، وفي كتاب الدعوات للبيهقي أدعية مأثورة في القتال كقوله : « اللهم أنت ربنا وربهم نواصينا ونواصيهم بيدك فاقتلهم واهزمهم » وأحاديث أخر في معناه ، وقوله : ( بشراشره ) أي بجملته وكليته وبقيته ، وهو جمع شرشرة بمعنى طرف فهو كقولهم برّمته وأسره . قوله : ( جواب النهي ) أي منصوب بأن مقدّرة في جوابه ، أو هو معطوف عليه فيكون مجزوما وما يدلّ عليه قراءة عيسى بن عمر ويذهب بباء الغيبة والجزم كما في الكشاف ، ولعدم مدخلية القراءة بالياء في الدلالة على العطف اقتصر المصنف على الجزم ، وقيل كان عليه ترك قيل لأنه على هذه القراءة مجزوم عند الكل لا عند البعض ومراده بقيل على غير قراءة الجزم لأنه في توجيه قراءة الجمهور . قوله : ( والريح مستعارة للدولة ) يعني استعير الريح للدولة لشبهها به في نفود أمرها ، وتمشيته فيقال هبت رياح فلان إذا كانت له دولة قال الشاعر :إذا هبت رياحك فاغتنمها * فإنّ لكل خافقة سكونولا تغفل عن الإحسان فيها * فما تدري السكون متى يكون
هامش
( 1 ) ذكره السيوطي في الدر 2 / 342 بهذا اللفظ من حديث ابن عمر ، ونسبه لعبد الرزاق في مصنفه وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه .
وأخرج صدره البخاري 2966 ومسلم 1742 من حديث عبد اللّه بن أبي أوفى .