ونصحا فقال : أبو البختري رأيي أن تحبسوه في بيت وتسدّوا منافذه غير كوّة تلقون إليه طعامه ، وشرابه منها حتى يموت فقال الشيخ بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ، ويخلصه من أيديكم فقال هشام بن عمرو رأيي أن تحملوه على جمل فتخرجوه من أرضكم فلا يضركم ما صنع فقال : بئس الرأي يفسد قوما غيركم ويقاتلكم بهم فقال أبو جهل أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما ، وتعطوه سيفا صارما فيضربوه ضرب واحد فيتفرّق دمه في القبائل فلا
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
إذ لا يؤبه بمكرهم دون مكره وإسناد أمثال هذا إنما يحسن للمزاوجة ولا يجوز إطلاقها ابتداء لما فيه من إيهام الذم
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا
هو قول النضر بن الحرث وإسناده إلى الجميع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم فإنه كان قاصهم أو قول الذين ائتمروا في أمره عليه السّلام وهذا غاية
شرح
( بردّ مكرهم عليهم الخ ) المكر لما كان معناه حيلة يجلب بها مضرّة إلى غيره وهو مما لا يجوز في حقه تعالى أشار إلى تأويله هنا بوجوه أولها أنّ المراد بمكر اللّه ردّ مكرهم أي عاقبته ووخامته عليهم فأطلق على الردّ المذكور مكرا لمشابهته له في ترتب أثره عليه فيكون استعارة تبعية ، والمشار إليه بقوله بردّ مكرهم عليهم وثانيها أنّ المراد مجازاتهم على مكرهم بجنسه وإطلاق المكر على المجازاة مجاز مرسل بعلاقة السببية والمشاكلة تزيده حسنا على حسن كما في شرح المفتاح ويصح فيه الاستعارة أيضا لأنهم لما أخرجوه صلّى اللّه عليه وسلّم أخرجهم اللّه فإذا كان المجازاة من جنس العمل كان بينهما مشابهة أيضا ، وهو المشار إليه بقوله أو بمجازاتهم عليه ، وثالثها أن يكون استعارة تمثيلية بتشبيه حالة تقليلهم في أعينهم الحامل لهم على هلاكهم بمعاملة الماكر المحتال بإظهار خلاف ما يضمر وإليه الإشارة بقوله أو بمعاملة الخ أو إنه مشاكلة صرفة فالوجوه أربعة . قوله : ( إذ لا يؤبه بمكرهم الخ ) يؤبه ويعبأ به بمعنى يعتدّ به ، وقوله دون مكره أي عند مكره والمزاوجة بمعنى المشاكلة كالازدواج ، وقوله لأنّ مكره أنفذ من مكرهم وأبلغ تأثيرا ، وهذا معنى الخيرية والتفضيل في النظم قال النحرير إطلاق خير الماكرين عليه تعالى إذا جعل باعتبار أنّ مكره أنفذ وأبلغ تأثيرا فالإضافة للتفضيل على المضاف لأنّ لمكر الغير أيضا نفوذا وتأثيرا في الجملة ، وهذا معنى أصل فعل الخير فتحصل المشاركة فيه وإذا جعل باعتبار أنه لا ينزل إلا الحق ، ولا يصيب إلا بما استوجبه الممكور به فلا شركة لمكر الغير فيه فالإضافة حينئذ للاختصاص كما في أعد لابني مروان لانتفاء المشاركة ، وقيل هو من قبيل الصيف أحرّ من الشتاء بمعنى أنّ مكره في خيريته أبلغ من مكر الغير في شريته وكلام المصنف رحمه اللّه يمكن تنزيله على هذا فتدبر . قوله : ( وإسنادا مثال هذا إنما يحسن للمزاوجة الخ ) قد سبق مثله في سورة آل عمران ، وهو يقتضي أنّ المكر لا يطلق عليه تعالى دون مشاكلة ، واعترض عليه بقوله تعالى :أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ[ سورة الأعراف ، الآية : 99 ] وقد أجيب عنه بأنّ المشاكلة إما تحقيقية أو تقديرية والآية التي أوردوها من قبيل الثاني على ما ذكر في قوله تعالى :صِبْغَةَ اللَّهِلأنّ ما قبله يدلّ على