وكانوا يؤدّونها إلى المجوس حتى بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ففعل ما فعل ، ثم ضرب عليهم الجزية فلا تزال مضروبة إلى آخر الدهر
إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ
عاقبهم في الدنيا
وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
لمن تاب وآمن
وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً
وفرقناهم فيها بحيث لا يكاد يخلو قطر منهم تتمة لإدبارهم حتى لا يكون لهم شوكة قط ، وأمما مفعول ثان أو حال
مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ
صفة أو بدل منه وهم الذين آمنوا بالمدينة ونظراؤهم
وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ
تقديره ومنهم ناس دون ذلك أي منحطون عن الصلاح ، وهم كفرتهم وفسقتهم
شرح
الدهر ) هذا لا ينافيه نزول عيسى عليه الصلاة والسّلام ورفع الجزية لأنه من أشراط الساعة الملحقة بأمور الآخرة وفسر العقاب بعقاب الدنيا لقوله سريع ، فإنّ ظاهره أنه عقاب عاجل لا آجل ، وقوله :لِمَنْ تابَ وَآمَنَ[ سورة طه ، الآية : 82 ] قيده به لاقتضاء المقام وليس على مذهب المعتزلة لأنه لم ينف العفو عمن لم يتب ، وقوله وقطعناهم الخ من مغيبات القرآن لأنهم كذلك لا ديار لهم ولا سلطان يخصهم ، والشوكة القوّة والقهر وقوله مفعول ثان أو حال إشارة إلى القولين السابقين في كون قطع مضمنا معنى صبرا ولا لكن تفسيره بفرقناهم يناسب الحالية وقد مرّ مثله ، وقوله : ( بحيث لا يكاد الخ ) أخذه من الأرض والتقطيع . قوله : ( صفة أو بدل منه الخ ) أي من أمما على الوجهين أما الوصفية فظاهرة ، وأما البدلية فقد خصها المعرب بالحالية وتكون هذه الجملة حالا مبدلة من الحال أي حال كونهم منهم الصالحون ، وجوّزه غيره على المفعولية بجعل الجملة صفة موصوف مقدّر هو البدل في الحقيقة أي قوما منهم الصالحون الخ والصالحون مبتدأ أو فاعل للظرف ، وقوله : ( وهم الذين آمنوا بالمدينة ) قيل إنه خلاف الظاهر لتفريع قوله فخلف من بعدهم خلف عليهم وضم المصنف رحمه اللّه إليه نظراءهم ليخف الإشكال ، وقيل هم الذين وراء الصين . قوله : ( تقديره ومنهم ناس دون ذلك الخ ) إشارة إلى القاعدة المشهورة بين النحاة وهو أنّ الموصوف بظرف أو جملة إنما يطرد حذفه إذا كان بعض اسم مجرور بمن أو في مقدّم عليه كما في منا ظعن ومنا أقام ، وغيره ممنوع عندهم على المشهور ، فما قيل إنه شاع في الاستعمال وقوع المبتدأ والخبر ظرفين واستمرّ النحاة على جعل الأوّل خبرا والثاني مبتدأ بتقدير موصوف دون العكس ، وإن كان أبعد من جهة المعنى والتأخير بالخبر أحرى وكأنهم يرون المصير إلى الحذف في أوانه أولى مخالف لما قرّروه لكن الذي جنح إليه أنّ مغزي المعنى يقتضي أنّ المتأخر خبر وهو الأصل إذ معنى منا ظعن بعضنا ظاعن وبعضنا مقيم ومحط النظر ، والمقصود بالإفادة الظعن والإقامة وليس القصد إلى أنّ الظاعن والمقيم محقق ولكن لم يعلم أنه منهم ، وقس عليه ما في النظم وهو كما قال لكن نور القوم أدق لأنّ محل الفائدة كونهم منقسمين إلى قسمين ، ويعينه مقابلته بقوله منهم الصالحون فإنه لا يصح فيه إن يكون الظرف صفة للمبتدأ لما فيه من الإخبار عن النكرة بالمعرفة أو تقدير المتعلق معرفة وكلاهما خلاف الظاهر فالمعنى أنّ هؤلاء منقسمون إلى قسمين ولا حاجة إلى ما اعتذر به فتدبره . قوله : ( منحطون عن الصلاح وهم كفرتهم وفسقتهم ) يعني أنّ المراد بدون من انحط