أيسوا من إتعاظهم
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ
مخترمهم
أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً
في الآخرة لتماديهم في العصيان قالوه مبالغة في أنّ الوعظ لا ينفع فيهم ، أو سؤالا عن علة الوعظ ونفعه وكأنه تقاول بينهم أو قول من أرعوى عن الوعظ لمن لم يرعو منهم ، وقيل المراد طائفة من الفرقة الهالكة أجابوا به وعاظهم ردّا عليهم وتهكما بهم
قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ
جواب للسؤال أي موعظتنا إنهاء عذر إلى اللّه حتى لا تنسب إلى تفريط في النهي عن المنكر وقرأ حفص معذرة بالنصب على المصدر أو العلة أي اعتذرنا به معذرة أو وعظناهم ومعذرة
وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
إذ اليأس لا يحصل إلا بالهلاك
فَلَمَّا نَسُوا
تركوا ترك الناسي
ما ذُكِّرُوا بِهِ
ما ذكرهم به صلحاؤهم
أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا
شرح
كونه زمانا ممتدا كسنة يقع فيه ذلك كله فتكلف من غير مقتض والإيهام المذكور لا وجه له ولا يخص العطف مع أنه قول للمفسرين في الطائفة القائلة كما ستراه فتأمّل . قوله : ( مخترمهم ) أي مهلكهم ومستأصلهم من قولهم اخترمته المنية إذا قطعت حيانه وتقدير في الآخرة ، قالوا : إنه تخصيص من غير مخصص ، وبقية الآية تدل على خلافه وسننبهك عليه قريبا وعطف بعض أرباب الحواشي عليه قوله ، ومستأصلهم تفسيرا له لدفع توهم الاعتزال الذي قصده الزمخشريّ ، وقوله تقاول بينهم بالإضافة والتنوين أي الصلحاء الواعظين قالوه بعضهم لبعض أي لم تشتغلون بما لا يفيد أو قاله من انتهى عن الموعظة ليأسه لمن لم ينته منهم ، أو قاله المعتدون تهكما بالناصحين هم المخوّفين لهم بالنكال في الدنيا والعذاب في الآخرة ، وحينئذ يكون قولهم ولعلهم يتقون التفاتا أو مشاكلة لتعبيرهم عن أنفسهم بقوم ، وأمّا لجعله باعتبار غير الطائفة القائلين وارعوى بمعنى انتهى ، وانكف ووجهه المبالغة أنه إذا لم يؤالا عن السبب كان الظاهر لا تعظوا أو اتعظون فعدل عنه إلى السؤال عن سببه لاستغرابه لأنّ الأمر العجيب لا يدري سببه ، وإن كان سؤالا عن العلة فهو ظاهر . قوله : ( جواب للسؤال أي موعظتنا الخ ) إشارة إلى أنه خبر مبتدأ مقدّر على قراءة الرفع وقراءة النصب إما على أنه مفعول لأجله أي وعظناهم لأجل المعذرة ، وعدّاه بإلى لتضمينه معنى الإنهاء والإبلاغ أو مفعول مطلق لفعل مقدّر أو مفعول به للقول وهو وإن كان مفردا في معنى الجملة لأنه الكلام الذي يعتذر به ، والمعذرة في الأصل بمعنى العذر وهو التنصل من الذنب ، وقال الأزهري إنه بمعنى الاعتذار ، وهو على القولين الأوّلين ظاهر ، وعلى الأخير قيل إنه من تلقى السائل بغير ما يترقب فهو من الأسلوب الحكيم ، وقوله : إذ اليأس لا يحصل إلا بالهلاك أي اليأس المحقق فلا ينافي قوله :
( حتى ايسوا من ا تعاظهم ) والمراد حتى قاربوا اليأس كما يقال قد قامت الصلاة .
قوله : ( تركوا ترك الناسي ) يعني أنه مجاز عن الترك والظاهر منه أنه استعارة شبه الترك بالنسيان والجامع بينهما عدم المبالاة به أو هو مجاز مرسل لعلاقة السببية ، ولم يحمل على ظاهره لأنه غير واقع ولأنه لا يؤاخذ بالنسيان ولأنّ الترك عن عمد هو الذي يترتب عليه إنجاء الناهين إذ لم يمتثلوا أمرهم بخلاف ما لو نسوه فإنه كان يلزم تذكيرهم ، وما موصولة وجوّز فيها