لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ
أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ
سبق تفسيره ، وفي إجابة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا ، والإعراض عن مقابلتهم كمال النصح والشفقة وهضم النفس وحسن المجادلة ، وهكذا ينبغي لكل ناصح وفي قوله وأنا لكم ناصح أمين تنبيه على أنهم عرفوه بالأمرين
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ
أي في مساكنهم أو في الأرض بأن جعلكم ملوكا فإنّ شداد بن عاد ممن ملك
شرح
وقوم هود عليهما الصلاة والسّلام ولو حمل الوصف على الذمّ هنا ، وفرق بأنّ مقتضى المقام ذمّ قوم هود لشدّة عنادهم لقولهم إنا لنراك في سفاهة مع كونه معروفا بينهم بالحلم والرشد ، وذم قوم نوح في سورة المؤمنين لعنادهم بقولهم :ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ[ سورة المؤمنون ، الآية : 24 ] لما فيه من فرط العناد ، ثم إنه قيل إنّ الظاهر أن ما نقل هنا عن قوم نوح صلّى اللّه عليه وسلّم مقالتهم في مجلس أو مقالة بعضهم ، وما نقل في سورة المؤمنين مقالتهم في مجلس آخر ، أو مقالة بعض آخر ، فروعي في المقامين مقتضى كل من المقالتين ، ثم إنّ شدّة عناد من عاند من قوم هود صلّى اللّه عليه وسلّم لا تنافي قرب جملتهم من جملة قوم نوح ، حيث آمن بعض أشرافهم دون أشراف قوم نوح صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن قلت قوله إذ كان من أشراف قومه من آمن يقتضي أنّ قوم نوح عليه الصلاة والسّلام ليسوا كذلك ، وهو ينافي قوله في تفسير قوله والذين آمنوا معه أنه آمن معه أربعون رجلا وأربعون امرأة ، وقوله تعالى :لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَوَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ[ سورة هود ، الآية : 36 ] قلت هؤلاء لم يكونوا من السادات كما هو المعتاد في اتباع الرسل عليهم الصلاة والسّلام ، وقيل إنه وقت مخاطبة نوح صلّى اللّه عليه وسلّم لقومه لم يكونوا آمنوا ، بخلاف قوم هود ، ومثله يحتاج إلى النقل . قوله : ( متمكنا في خفة عقل راسخا فيها ) حيث لم يقل سفيها ، وجعله متمكنا فيها تمكن الظرف في المظروف ، ففيه استعارة تبعية مع أن واللام المؤكدة لذلك ، وقوله حيث فارقت الخ تعليل لذلك . وقوله ولكني رسول مرّ تحقيق الكلام فيه . قوله : ( وفي إجابة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام الكفرة الخ ) توصيفه الكلمات بالحماقة مبالغة ، والمعنى الأحمق قائلها فهو مجاز ، وقوله عن مقابلتهم أي بالتسفه والتكذيب وهضم النفس من قوله على رجل منكم ، وقوله تنبيه على أنهم عرفوه بالأمرين النصح والأمانة ، فليس من حقه أن يتهم بالكذب ونحوه ، وذكر هذا في الكشاف ، ثم قال وأنا لكم ناصح فيما أدعوكم إليه ، أمين على ما أقول لكم لا أكذب فيه ، وفي الكشف الفرق بين الوجهين بحسب تقدير المتعلق للنصح والأمانة وجعلهما من قبيل المهجور ذكر متعلقه ، والثاني يفيد أنه أوحدي فيه موجد للحقيقتين كأنه صناعته ، فلذلك قال عرفت فيما بينكم ، وقال الطيبي رحمه اللّه إنه على الأوّل اعتراض ، وعلى الثاني حال ، كما مرّ في قوله تعالى :ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ[ سورة البقرة ، الآية : 51 ] وهذا كله من العدول عن الفعلية إلى الاسمية المفيدة للتحقق