تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
بهذا التحريم إذ أنتم لا تؤمنون بنبيّ فلا طريق لكم إلى معرفة أمثال ذلك إلا المشاهدة والسماع
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
فنسب إليه تحريم ما لم يحرّم والمراد كبراؤهم المقرّرون لذلك أو عمرو بن لحيّ بن قمعة المؤسس لذلك
لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ
أي في القرآن ، أو فيما أوحي إليّ مطلقا ، وفيه تنبيه على أنّ التحريم إنما يعلم بالوحي لا بالهوى
مُحَرَّماً
طعاما
شرح
التحريم يستلزم إثبات محله لا محالة فإذا انتفى محله ، وهو الموارد الثلاثة لزم انتفاء التحريم على وجه برهاني كأنه وضع موضع من سلم أنّ ذلك قد كان ثم طالبه ببيان محله كي يتبين كذبه ، ويفتضح عند المخالفة ومنه تعلم أنّ المطلوب بلى الهمزة ، وقد يعدل عنه لنكتة وبه يجمع بين كلامهم فتأمّله . قوله : ( إذ أنتم لا تؤمنون ) يعني أنهم ذهبوا إلى أنّ اللّه حرّم هذا والعلم بذلك إما بأن بعث اللّه رسولا أخبرهم به ، وإما بأن شاهدوا اللّه تعالى وسمعوا كلامه في التحريم ، والأوّل مناف لما هم عليه لأنهم ما كانوا يؤمنون برسول فتعين المشاهدة والسماع وهو محال فقد تهكم اللّه بهم بذلك ، ثم بين ظلمهم بقوله فمن أظلم الخ ، ثم أعلمهم بقوله قل لا أجد الخ أنّ التحريم والتحليل بالوحي لا بالتشهي والهوى . قوله : ( والمراد الخ ) اقتصر في الكشاف على الأثر الثاني ، لأنّ عمرو بن لحيّ هو الذي بحر البحائر ، وسيب السوائب فهو الذي تعمد الكذب ، وأما من تابعه من كبرائهم فيحتمل إنه أخطأ في تقليده فلا يكون متعمدا للكذب فلا ينبغي التفسير به ، ولذا قال في تفسيره بعض المتأخرين افترى كذبا ، كاذبا لا مخطئا في ظنه فإنّ فيه مندوحة عن الكذب فليس فيهن خطأ ومخالفة للجمهور في الكذب ولا مخالفة لما قاله الزمخشريّ : إلا في جعله كذبا حالا بمعنى كاذبا ، وإن جوّز فيه أن يكون مصدرا من غير لفظ الفعل ، فمن قال إنه أخطأ في الإعراب وغفل عن قيد التعمد في معنى الافتراء لم يفهم كلامه . قوله : ( ليضلّ الناس بغير علم ) أي عمل عمل القاصد إضلالهم من أجل دعائهم إلى ما فيه الضلال وإن لم يقصد الإضلال ولذلك قال بغير علم كذا قيل يعني إنّ اللام للعاقبة ، ويؤيده قوله بغير علم إن كان حالا من فاعل يضلّ ولا يضره احتمال كونه حالا من الناس وإن صح ، لأنّ الأوّل أظهر وأبلغ في الذمّ لكون المقتدى به جاهلا فكيف المقتدي ، ومن غفل عنه خطأه فيه . قوله : ( لا يهدي القوم الظالمين ) أي إلى طريق الحق وقيل إلى دار الثواب لاستحقاقهم العقاب ، ولا يعد فيه كما توهم وإذا لم يهتد الظالم فالأظلم أولى بعدم الهداية . قوله : ( قل لا أجد فيما أوحى إليّ محرّما الخ ) كني بعدم الوجدان عن عدم الوجود ومبني هذه الكناية على أنّ طريق التحريم التنصيص منه تعالى وتفسيره بمطلق الوحي استظهروه ولذا قال : أوحى ولم يقل انزل ، وقوله : ( وفيه تنبيه الخ ) قد مرّ ما يشير إليه وأيضا أنّ الآية لو لم تدلّ على الحصر ، وقد وردت للردّ على المشركين في تحريم ما لم يحرّمه اللّه يعني لم يوح إليّ تحريم ما حرّمتموه وإنما الموحي تحريم ما ذكر ، ولو لم يكن ذلك مقصودا لم تفذ ما ذكر ، وقوله لا بالهوى إشارة إلى أنّ القصر إضافيّ فلا ينافي الاجتهاد ، وفسر المحرّم بالطعام لدلالة ما بعده عليه .