جمع قبيل بمعنى كفيل أي كفلاء بما بشروا به ، وأنذروا به أو جمع قبيل الذي هو جمع قبيلة بمعنى جماعات ، أو مصدر بمعنى مقابلة كقبلا ، وهو قراءة نافع وابن عامر وهو على الوجوه حال من كل ، وإنما جاز ذلك لعمومه
ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا
لما سبق عليهم القضاء بالكفر
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
استثناء من أعمّ الأحوال أي لا يؤمنون في حال إلا حال مشيئة اللّه تعالى إيمانهم ، وقيل منقطع ، وهو حجة واضحة على المعتزلة
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ
شرح
وكون قبلا الجمع حالا من كل لأنه يجوز مراعاة معناه ولفظه كما نص عليه النحاة واستشهدوا بقوله :جادت عليه كل عين ثرّة * فتركن كل حديقة كالدرهمإذ قال تركن دون تركت فلا حاجة إلى ما قيل إنه باعتبار لازمه وهو الكل المجموعيّ ، وهو معنى قوله وإنما جاز ذلك لعمومه مع الإشارة إلى مصحح الحال من النكرة مع تأخرها ، وفي قبلا قراآت كسر القاف وفتح الباء وضمهما ، وقرئ في الشواذ بضم فسكون وغير ذلك فقبلا بكسر وفتح بمعنى مقابلة ومشاهدة وهو حال كما قاله الفراء والزجاج وعليه أكثر أهل اللغة وهو مصدر وعن المبرد أنه بمعنى جهة وناحية فانتصابه على الظرفية كقولهم لي قبل فلان كذا ، وأما المضموم فقيل جمع قبيل بمعنى كفيل ، ومنه القبالة لكتاب العهد والصك أو قبيل بمعنى جماعة والمعنى عليه حشرنا عليهم كل شيء فوجا فوجا وجماعة جماعة ويكون بمعنى الأوّل أيضا أي معاينة ومقابلة ، كقوله :إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ[ سورة يوسف ، الآية :
26 ] . قوله : ( ما كانوا ليؤمنوا ) جواب لو وهوادا كان منفيا لا تدخله اللام ولذا اعترض على الحوفي رحمه اللّه في قوله إنّ اللام فيه مقدّرة أي لما ، وقوله : لما سبق عليهم القضاء بالكفر بتشديد الميم وتخفيفها ، وقيل عليه إنّ فيه تعليل الحوادث بالتقدير الأزلي ، ولا يخفى فساده بل لبطلان استعدادهم وتبدل فطرتهم القابلة بسوء اختيارهم وتبعه من قال : في تفسيره أي ما صح واستقام لهم الإيمان لتماديهم في العصيان وغلوّهم وتمردهم في الطغيان وأما سبق القضاء عليهم بالكفر فمن الأحكام المترتبة على ذلك حسبما ينبئ عنه قوله :وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ[ سورة الأنعام ، الآية : 110 ] وليس بشيء لأنّ ما ذكره على مذهب الأشعري القائل بأنه لا تأثير لاختيار العبد وإن قارن الفعل عنده ، ولا يلزم الجبر كما يتوهم على ما حققه أهل الأصول ولا خفاء في كون القضاء الأزليّ سببا لوقوع الحوادث ولا فساد فيه ، وأما سوء اختيار العبد فمسبب للقضاء الأزلي ، وتحقيقه كما قيل إن سوء الاختيار ، وإن كان كافيا في عدم وقوع الإيمان لكنه لا قطع فيه لجواز أن يحسن الاختيار بصرفه إلى الإيمان بدل صرفه إلى الكفر فكان سوء اختياره فيما لا يزال مسببا للقضاء بكفره في الأزل فبعد القضاء به يكون الواقع منه الكفر حتما ، كما قال تعالى :وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها[ سورة السجدة ، الآية : 13 ] .
قوله : ( استثناء من أعمّ الأحوال الخ ) وجوّز أن يكون من أعمّ الأزمان والظاهر الأوّل فإن لوحظ أن جميع أحوالهم شاملة لحال تعلق المشيئة بهم فهو متصل وإن لم يلاحظ أنّ حال المشيئة