فقالوا : لتنتهين عن سبّ آلهتنا أو لنهجونّ إلهك فنزلت : وقيل كان المسلمون يسبونها فنهوا لئلا يكون سبهم سببا لسب اللّه سبحانه وتعالى وفيه دليل على أنّ الطاعة إذا أدّت إلى معصية راجحة وجب تركها فإن ما يؤدّي إلى الشرّ شرّ
كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ
من الخير الشرّ بإحداث ما يمكنهم منه ، ويحملهم عليه توفيقا وتخذيلا ، ويجوز تخصيص العمل
شرح
سبب النزول على إحدى الروايتين وصفه لها بأنها حصب جهنم فكيف لا يكون ذلك سبا فالجواب أن يقال النهي عن السب في الحقيقة إنما هو عن إظهاره ، فإنه المؤدّي إلى سب اللّه فتأمّل . قوله : ( أو لنهجونّ إلهك ) فإن قيل إنهم كانوا يقرّون باللّه وعظمته وإنّ آلهتهم إنما عبدوها لتكون شفعاء عنده فكيف يسبونه ، قلنا لا يفعلون ذلك صريحا بل يفضي كلامهم إلى ذلك كشتمهم له ولمن يأمره بذلك مثلا ، وقد فسر بغير علم بهذا ، وهو حسن جدّا أو أنّ الغيظ والغضب ربما حملهم على سب اللّه صريحا ألا ترى المسلم قد تحمله شدّة غضبه على التكلم بالكفر وعدوا كضربا وعدّوا كعتوّا وعداء كعزاء ، وعدوانا كسبحان مصدر عدا عليه بمعنى تعدّى وتجاوز وهو مفعول مطلق لتسبوا من معناه لأنّ السب عدوان أو مفعول له أو حال مؤكدة مثل بغير علم ، وقرأ ابن كثير في رواية عنه عدّوا بفتح العين وضم الدال وتشديد الواو على أنه حال . قوله : ( وفيه دليل الخ ) يعني إذا أدّت إلى معصية راجحة على معصية ترك الطاعة وكانت سببا لها بخلاف الطاعة في موضع فيه معصية لا يمكن دفعها وكثيرا ما يشتبهان ، ولذا لم يحضر ابن سيرين جنازة اجتمع فيها الرجال والنساء ، وخالفه الحسن للفرق بينهما كما في الكشاف ، وقد علم مما مرّ في تفسير قوله تعالى :فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ[ سورة الأنعام ، الآية : 68 ] ما هو الصحيح عند فقهائنا ، كما أفاده شيخنا المقدسي في الرمز من أنه لا يترك ما يطلب لمقارنة بدعة كترك إجابة دعوة لما فيها من الملاهي ، وصلاة جنازة لنائحة فإن قدر على المنع منع وإلا صبر ، وهذا إذا لم يكن مقتدى به وإلا فلا يقعد لأنّ فيه شين الدين ، وما روي عن أبي حنيفة رحمه اللّه أنه ابتلى به كان قبل صيرورته إماما يقتدى به ، وقال الإمام أبو منصور كيف نهانا اللّه عن سب من يستحق السب لئلا يسب من لا يستحقه وقد أمرنا بقتالهم ، وإذا قاتلناهم قتلونا وقتل المؤمن بغير حق منكر وكذا أمر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالتبليغ والتلاوة عليهم وإن كان يكذبونه وأجاب بأنّ سب الآلهة مباح غير مفروض ، وقتالهم فرض وكذا التبليغ وما كان مباحا نهى عما يتولد منه ويحدث وما كان فرضا لا ينهي عما يتولد منه ، وعلى هذا يقع الفرق لأبي حنيفة فيمن قطع يد قاطع قصاصا فمات منه فإنه يضمن الدية لأنّ استيفاء حقه مباح ، فأخذ بالمتولد منه ، والإمام إذا قطع يد السابق فمات لا يضمن ، لأنه فرض عليه فلم يؤخذ بالمتولد منه انتهى ، ومنه تعلم أنّ قوله الطاعة ليس على إطلاقه . قوله : ( من الخير والشر الخ ) وقوله في الكشاف مثل ذلك التزيين زينا لكل أمّة من أمم الكفار سوء عملهم أي خليناهم ، وشأنهم ولم نكفهم حتى حسن عندهم سوء عملهم ، أو أمهلنا الشيطان حتى زين لهم ، أو زيناه في زعمهم ، وقولهم إنّ اللّه تعالى أمرنا بهذا وزينه لنا ، يعني أنّ ظاهر الآية يقتضي أنه تعالى