والباء على الأوّل متعلق بكفروا وصلة يعدلون محذوفة أي يعدلون عنه ليقع الإنكار
شرح
أوّله والفور باعتبار آخره كما حققه النحاة . قوله : ( والباء على الأوّل الخ ) قد مرّ اعتراض الفاضل المحقق بأنّ الفرق المذكور تخصيص من غير مخصص ، وقد مرّ دفعه بنحو ما قاله بعض المتأخرين الفضلاء وجه التخصيص رعاية المناسبة بين ما عطف ، بثم الاستبعادية وبين ما عطف عليه فإنّه إذا قيل ، ثم الذين كفروا به يعرضون عن حمده فيكفرون نعمته فإنّ من استحق جميع المحامد من قبل العباد فالإعراض عن حمده في غاية الاستبعاد ، ولا يناسب حينئذ أن يقال ثم الذين كفروا يسوّون به غيره إذ لم يسبق صريحا ما يفيد امتناع التسوية بينه وبين غيره حتى يفيد استبعاد التسوية وكذا إذا قيل إنه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه فالمناسب في الاستبعاد أن يقال ، ثم الذين كفروا يسوّون به غيره الذي لا يقدر على شيء منه ، لا أن يقال ثم الذين كفروا به يعرضون عن حمده انتهى ، ولا يخفى اتساق أنّ من استحق جميع المحامد لأنعامه بالنعم الجسام لا يناسبه أن تكفروا نعمته ، ومن خلق هذه المخلوقات العظام لا يسوي به غيره كما قال تعالى : حكاية عن الكفارتَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ[ سورة الشعراء ، الآية : 97 ] وأيد الاعتراض الذي اعترض به النحرير بأنه إذا قيل إنه تعالى مستحق للحمد على هذه النعم الجسام التي لا يقدر عليها أحد ، ثم الذين كفروا يعدلون به غيره مما لم يكن منه مثل هذه فيجعلونها آلهة مثله ويثنون عليه بما أثنوا به عليه تعالى كان كلاما صحيحا منتظما ، وكذا إذا قيل إنه تعالى خلق ما خلق نعمة لهم مما لا يقدر عليه أحد ، ثم هم يعدلون عنه ولا يحمدونه مع أنه مقتضاه ذلك كان كلاما صحيحا منتظما هذا تقرير كلامه ، على وفق مرامه ، وقد خفي عليه وعلى من قلده ولا يخفى أنه تكلف وتخليط فإنّ العلامة راعى في وجه الاستبعاد أخذه من المتعاطفين ، وهو أدخل في كل من الوجهين وغيره أخذه ، مما بعده وما قبله ، ولا يخلو من التعقيد لملاحظة قيود كثيرة والاحتياج إلى تقديرها وملاحظتها ، ولذا لم يعرج عليه أحد من شراح الكشاف ، وأشار إلى الكشف إلى أنّ ما جنح إليه الزمخشري ظاهر من حاق النظم ، ولولاه لما حسن موقع ثم وما ذكره تكلف يأباه جزالة النظم وسلاسة السبك والحق أحق أن يتبع ، ومعنى تسويتهم له تعالى بها في ادّعاء الألوهية والعبادة وبعضهم سلك في ردّه مسلكا آخر فقال أنه معطوف على الجملة السابقة الناطقة بما مرّ من موجبات اختصاصه تعالى بالحمد المستدعي لاقتصار العبادة كما حقق في سورة الفاتحة مسوق لإنكار ما عليه الكفرة ، واستبعاده من مخالفتهم لمضمونها واجترائهم على ما يقضي ببطلانه بديهة العقل ، والمعنى أنه تعالى يختص باستحقاق الحمد والعبادة باعتبار ذاته وباعتبار ما فصل من شؤونه العظيمة الخاصة به الموجبة لقصر الحمد والعبادة عليه ثم هؤلاء الكفرة لا يعملون بموجبه ، ويعدلون به سبحانه أي يسوّون به غيره في العبادة التي هي أقصى غايات الشكر الذي رأسه الحمد مع كون كل ما سواه مخلوقا له غير متصف بشيء من مبادي الحمد ، وكلمة ثم لاستبعاد الشكر بعد وضوح ما ذكر من الآيات التكوينية القاضية ببطلانه لا سيما بعد