تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
عرفوه حق معرفته في الرحمة والإنعام على العباد
إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ
حين أنكروا الوحي ، وبعثة الرسل عليهم الصلاة والسّلام ، وذلك من عظائم رحمته وجلائل نعمته أو في السخط على الكفار ، وشدّة البطش بهم حين جسروا على هذه المقالة والقائلون هم اليهود قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن بدليل نقض كلامهم وإلزامهم بقوله :
قُلْ
شرح
الوجوه حتى صار حقيقة فيه كما قالوا رحم اللّه من عرف قدره أي نفسه وحقيقته ومعرفة اللّه لما لم تكن إلا بصفاته فسر في كلّ محل بما يليق به فهنا لما كان في حق المشركين والكفار ناسب العظمة فذكر في كلّ مقام ما يليق به ، ولهذا فسر أيضا بما وصفوه حق وصفه لما عرفت . قوله : ( في الرحمة والأنعام على العباد ) لما جعل قولهم ما أنزل اللّه على بشر من شيء سببا لأنهم ما عرفوه حق معرفته فإمّا أن يكون عدم المعرفة في صفة اللطف أو في صفة القهر فإن كان في اللطف فالسبب إنكار النبوّة لأنها من أجلّ رحمته بالعباد ، وإن كان في القهر فالسبب الجسارة على ذلك الإنكار وإلى هذا أشار المصنف رحمه اللّه بقوله حين أنكروا الخ . قوله : ( والقائلون هم اليهود الخ ) اختلفوا في القائلين ما أنزل اللّه على بشر من شيء فذهب الجمهور إلى أنهم اليهود ، واستدلّ عليه بقراءة الخطاب في قوله :تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ[ سورة الأنعام ، الآية : 91 ] وتقرير الاستدلال أنّ قوله قل من أنزل الخ جواب لأولئك القائلين والتاء في تجعلونه خطاب لهم ولا شك في أنّ الجاعلين التوراة قراطيس هم اليهود فيكون القائلون تلك المقالة هم اليهود ، فإن قلت اليهود يقولون التوراة كتاب اللّه أنزله على موسى صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكيف يقولون ما أنزل اللّه على بشر من شيء أجيب بأنّ مرادهم الطعن في رسالته صلّى اللّه عليه وسلّم مبالغة في ذلك الإنكار فقيل لهم على سبيل الإلزام قد أنزل اللّه التوراة على موسى صلّى اللّه عليه وسلّم فلم لا يجوز إنزال القرآن على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فكأنهم أبرزوا إنزال القرآن عليه في صورة الممتنعات حتى بالغوا في إنكاره فألزموا بتجويزه ثم وصف كتاب موسى صلّى اللّه عليه وسلّم قصدا إلى تجهيلهم وتوبيخهم بصفات ثلاث أحدها أنه نور وهدى للناس ، وثانيها أنهم حرّفوه وتصرّفوا فيه بإبداء بعض وإخفاء كثير كصفته صلّى اللّه عليه وسلّم وآية الرجم ، وثالثها إنهم علموا في ذلك الكتاب على لسان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ما لم يعلموا ولا آباؤهم مما كانوا يختلفون فيه ، وقراءة الغيبة على هذا التفات تبعيدا لهم بسبب ارتكابهم القبيح عن ساحة الخطاب ، ولذا خاطبهم حيث نسب إليهم الحسن في قوله وعلمتم ، وهذا من عيون اللطائف في الالتفات ويؤيد هذا الوجه ما روي في سبب النزول فقوله مبالغة الخ إشارة إلى أنهم عمموا الإنكار مع اعترافهم بالتوراة لذلك ، وقوله نقض كلامهم أي ردّه بإلزامهم كما عرفت وقراءة الجمهور بالجرّ عطف على نقض فإنها تدلّ على أنّ الخطاب لليهود ، وقراءة الياء التفات نكتته ما ذكرنا مع مناسبته للغيبة في قالوا وقدروا . قوله : ( بدليل الخ ) هو دليل على كون الخطاب لليهود لكونهم الذين صدر منهم ذلك أو دليل للمبالغة لأنهم لا ينكرون نزول التوراة فهو كما إذا قيل فلان يعرف الفقه فقلت منكرا لذلك هو لا يعرف شيئا أصلا مع أنه لا بدّ لمعرفته لشيء مّا ، وإنما ألزموا بالتوراة لاعترافهم
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 148 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي