تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
تنبيه : انظر إلى ما راعى في هذه القصة من المبالغة في الإرشاد ، وحسن التدرّج في الحجاج بين أوّلا أحوال عيسى وما تعاور عليه من الأطوارا المنافية للإلهية ثم ذكر ما يحلّ عقدتهم ، ويزيح شبهتهم فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الإعجاز ، ثم لما أعرضوا عنها وانقادوا بعض الانقياد عاد عليهم بالإرشاد وسلك طريقا أسهل ، وألزم بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى ، والإنجيل وسائر الأنبياء ، والكتاب ، ثم لما لم يجد ذلك أيضا عليهم وعلم أنّ الآيات والنذر لا تغني عنهم أعرض عن ذلك ، وقال فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ
تنازعت اليهود ، والنصارى في إبراهيم عليه السّلام وزعم كل فريق أنه منهم وترافعوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت ، والمعنى أنّ اليهودية ، والنصرانية حدثتا بنزول التوراة والإنجيل على موسى وعيسى عليهما السّلام وكان إبراهيم قبل موسى بألف سنة ، وعيسى بألفين فكيف يكون عليهما
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
فتدّعون المحال
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ
ها حرف تنبيه نبهوا بها عن حالهم التي غفلوا عنها ، وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره ، وحاججتم جملة أخرى مبينة للأولى أي أنتم هؤلاء
شرح
عليهم فاعلموا أنهم لزمتهم الحجة وإنما أبو إعنادا فقولوا لهم أنصفوا واعترفوا وأقروا بأنا على الدين الحق ، وهو تعجيز لهم أو هو تعريض لأنهم إذا شهدوا بالإسلام لهم فكأنهم قالوا إنا لسنا كذلك ، والأطوار المنافية للإلهية كونه مولودا متوفى الخ وما يحلّ عقدتهم أي ما عقدوه ورسخ في عقولهم القاصرة ، بقوله : إنّ مثل عيسى الخ وقوله : بنوع من الإعجاز أي إظهار عجزهم عن المباهلة لعلمهم بإجابة دعائه عليه الصلاة والسّلام ، أو المراد بالإعجاز الإعلام بالمغيب وهو أنهم لا يفعلون ذلك ، ولذلك دعاهم صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقوله : لم يجد يعني لم يفد من الجدوى بمعنى المعطية . قوله : ( تنازعت اليهود والنصارى الخ ) هكذا أخرجه ابن جرير رحمه اللّه وليس فيه أنهم نازعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين كما في الكشاف فلذا عدل عنه المصنف رحمه اللّه فلا حاجة إلى التوفيق بأنهم نازعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد أن أجابهم بما لم يرضوه . قوله : ( والمعنى الخ ) ضمير عليهما لليهودية والنصرانية والمراد على واحدة منهما ، وما ذكره من التاريخ رواية وقعت في الثعلبي والتيسير ، وما مرّ في قصة مريم من أنّ بين العمرانين ألف سنة وثمانمائة سنة المقتضى أن يكون إبراهيم عليه الصلاة والسّلام قبل عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم بثلاثة آلاف ويوافقه قول الزمخشريّ بين إبراهيم وموسى صلّى اللّه عليه وسلّم ألف سنة ، وبينه وبين عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم ألفان رواية أخرى ، فلا يقال إنه غفل عما قدمه أو أنه سهو من الناسخ وإنّ العبارة وعيسى بعده بألفين أو إنه ظنّ ضمير بينه في الكشاف لإبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم ، والظاهر أنهم ادّعوا حقيقة أنه منهم فلذا حمقوا وجهلوا فلا داعي إلى ما قيل أنّ مدعاهم أنّ دين إبراهيم يوافق دين موسى لا إنّ إبراهيم تبع موسى وعمل بما في التوراة فكيف يقال إنهم ادعوا المحال ، وأغرب منه دفعه بأنه لو كان الأمر كذلك لما أوتي موسى عليه الصلاة والسّلام التوراة بل أمر بتبليغ صحف إبراهيم عليه الصلاة